الاثنين، 17 أكتوبر 2011

مشاركة الدكتور قوي بوحنية في مؤتمر ببيروت حول وثائق ويكليكس، من تنظيم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

مشاركة الدكتور قوي بوحنية في مؤتمر ببيروت حول وثائق ويكليكس،
من تنظيم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
    اختتمت في بيروت الندوة العلمية الفكرية حول موضوع "المصدر المفتوح في عالم الانترنت والأوراق الدبلوماسية الأميركية المسربة كمعطى"، والتي نظمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات خلال الفترة من 4 إلى 6 آذار/مارس 2011 بفندق البريستول، بيروت- لبنان.
     شارك في الندوة باحثون من مختلف التخصصات في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وإعلاميون ذوو خبرة، ومهتمون بموضوع نشر موقع "ويكيليكس" للبرقيات الدبلوماسية الأميركية، للإطلاع على برنامج الندوة يرجى الإطلاع على الرابط:

كاريزما الشارع التونسي وقوة التغيير السياسي

 

بقلم:   بوحنية قوي
 
 
     هذه الورقة تحاول قراءة الثورة الشعبية التونسية التي أعلنت يوم 14 يناير 2011 قطيعة تاريخية وسياسية مع عهد تميز بالقمع وكبت الحريات. سنحاول تلمس نقاط التوهج في الثورة التي تجاوزت مفاهيم "الاحتجاج"و"الاحتجاجات الممتدة " لتؤرخ لميلاد ثورة شعبية بأتم معني الكلمة، وتعتبر شعبية لأنها ليست ثورة لفرز طائفي معين، أو لنخبة بحد ذاتها، إنها حركة استمّدت من الشارع وتبناها، وأشعل أوراها "الشارع"، ولذا يبدو "الشعب" و"الشارع" و"الثورة" بحاجة إلي سن مفاهيم قانونية جديدة، ونحت مصطلحات دستورية تحاول وضع "ماهية جديدة" لثورة الشارع الذي تضافرت عوامل متشابكة في صموده، وتلك هي الثورة، الثورة التي جعلت مفاهيم كثيرة تدخل قاموس السياسة والدساتير، وجعلت الباحثين يطرحون تساؤلات هامة، مثل ماذا لو لم يصمد الشارع التونسي للأسبوع الرابع؟
ماذا لو لم يرفض الجيش دخول ساحة الاحتراب بين نظام "بن علي" وسلطة الشعب؟ ماذا لو كان الحراك الشعبي في مدينة بعينها دون مدينة أخري؟. ماذا وماذا؟(1) إذن هي ثورة شعبية حركية نقلت الحراك لكل فئات الشعب، وجاءت لتعلن القطيعة بين المجال والحيز الخاصPRIVATE SPACE والحيز العام PUBLIC SPACE ، وهو سر قوتها(2) كما أنها ليست قضية خبز وماء ولكنها مسألة ذهن وفكر وحرية، وهي في ذلك تتوافق مع أهم مرتكزات ومفاهيم الديمقراطية(3).
    أولا: إرهاصات وقوة الشارع التونسي كسلطة تغيير:
    في مقاربته الرصينة لمفهوم السلطة Autority)) حاول ماكس فيبر(Max Weber) أن يضع للسلطة أبعاداً ثلاثة: سلطة تقليدية تستمد وشائجها وأسسها من روابط التقاليد وأواصر العصب، وسلطة كاريزمية ، ترتبط بالشخصية الآسرة والمؤثرة، وسلطة قانونية التي تأتي لاحقا لتبسط نفوذها علي السلطة السابقة وتعلن المبادئ الراسخة لقوي العقل، وهيمنة الشرائع القانونية وتؤسس للحق والمسؤولية ، وقانون المحاسبة والمساءلة.
    عند قراءتنا المتأنية لمفاهيم السلطات سنجد أن "الشارع" التونسي استطاع بلغة الإبستومولوجيا أن يمتلك سلطة "كاريزمية"، وهو ما يمكن أن نطلق عليه "كاريزما الشارع"، إنها الشخصية الآسرة الساحرة التي سحقت كل الوشائج القائمة علي العصب والتفاوت الطبقي، ومفاهيم الطبقات.
    أجل، استطاع الشارع التونسي بسلطته الآسرة أن يحرك الشعب من أقصاه إلي أقصاه، إذ لم يشعر جزء من أبناء الشعب التونسي أن هذه الثورة ليست ثورته، أو أن هذه الثورة ستكون نواتجها ومخرجاتها ضده، لم يشعر بسيف"الحجاج"إلاّ تلك الفئة المتنفذة في الحكم التي نهبت ثروات الشعب وجثمت علي أنفاسه عقوداً طويلة. ولذا، لاحظنا أن مواطني مدينة "حمام سوسة"مسقط رأس الرئيس المخلوع حموا الثورة ووقفوا إلي جانبها، وتلك نقطة تحسب لكاريزما الشارع التونسي، ولو قمنا بمقارنة سريعة للاحظنا أن المتتبع للشأن اللبناني، يقرأ كل تحرك شعبي قراءة طائفية سياسوية ومناطقية! وهذه ملاحظة جديرة بأن نتوقف عندها.
    إن كاريزما الشارع التونسي تستمد وهجها من التراث النضالي الطويل لشعوب المغرب العربي التي قارعت الاستعمار الفرنسي، وعرفت أولي تشكيلات اتحادات الشغل، ولعل الاتحاد التونسي للشغل بتونس أحد ملامح وركائز هذا الحراك .
ثانياــ كيف نفهم قوة الشارع التونسي؟
    يفضل بعض المفكرين تسمية "تحركات الشارع" عن تسمية التحركات في "الشارع" ويذكر بهذا الصدد المفكر علي خليفة الكواري خاصيتين تميزان هذا الحراك:
    أولاهما: خاصية تعبير التحركات عن الشعب بكافة مكوناته دون إقصاء أو تمييز علي أساس العرق أو الدين أو المذهب. إن تحركات الشارع التي نقصدها هي تلك الحركة الوطنية ذات الأهداف الجامعة وليست حركة فئوية، وهي حركة يشارك فيها النشطاء من مختلف القوي التي تنشد التغيير، وإن اختلفت درجة المشاركة وتعددت وسائلها. ولذلك فإنها تحركات تختلف عن مجرد التحرك في الشارع من أجل الاستقواء بالأجنبي(الثورات الملونة) أو اتخاذ التحرك ذريعة لاستقطاب تدخل خارجي لا تحمد عقباه, فتلك اضطرابات قد تمهد لحروب أهلية.
    ثانيتهما : خاصية الشمول لكافة سبل التعبير السلمي المتاح سواءً رضيت عنه السلطة أم لم ترضَ. ولذلك لا تنحصر تحركات الشارع في المظاهرات والاعتصامات. فإلي جانب ذلك يمكن اعتبار الندوات والمؤتمرات ونشاطات المنظمات غير الحكومية والنقابات والجمعيات المهنية، التي تجمع الطيف السياسي في نشاطات وحوارات وطنية مشتركة جزءاً من تحركات الشارع، طالما كانت تجري خارج الهامش المسموح به من قِبَل السلطة أو لا ترضي عنه السلطة في العادة. وكذلك يمكن اعتبار المدونات والنشر الالكتروني والكتابة في الصحف والحديث الجريء في وسائل الإعلام وتسمية المظالم بأسمائها وتعريف الاستبداد والفساد( الكبير منه قبل الصغير) وتحديد مرتكبيه هي أيضاً من تحركات الشارع.
    فلم يعد يُجدي اليوم الحديث العام عن الاستبداد والفساد والتخلف وضرورات الإصلاح، فالحكام وأجهزتهم الإعلامية تتحدث أكثر مما يتحدث المثقفون والمصلحون، وإنما يجب تسمية المستبدين بأسمائهم، وكذلك المفسدين والفاسدين وتحديد أوجه الخلل والخراب المطلوب إصلاحه بشكل واضح وصحيح لا يترك لبسًا ولا يسمح للمستبدين والمفسدين أن يخطفوا راية الإصلاح ويحرفوها عن اتجاهها الصحيح، ومنها ما يتعلق بهم شخصياً. وأخيراً وليس آخراً يُعد من تحركات الشارع أيضاً، كل ما يتعلق بنمو القدرة علي استخدام التقنيات الإلكترونية وسبل النشر البديلة والحوار عن بعد، والتواصل من خلال البريد الإلكتروني والرسائل التليفونية. فهذه الأساليب الحديثة كسرت احتكار السلطة للمعلومات، وأتاحت فرصة طرح ونشر المعلومات البديلة من خلال وسائل لا تستطيع السلطة السيطرة عليها بالكامل، الأمر الذي أدي إلي اتساع هامش التعبير خارج ما ترضي عنه السلطة.
    وجديرٌ بالملاحظة أيضاً من خلال معظم تجارب تحركات الشارع العربي في الماضي، أن تحركات الشارع حتي وإن توافرت فيها خاصيتا التعبير عن الشعب بكافة مكوناته، وتمتعت بالشمول من حيث أساليب التعبير، فإنها قد لا تكون كافية لتحقيق الأهداف الوطنية، ومنها الانتقال إلي نظام حكم ديمقراطي. ومثال ذلك تحركات الشارع الجزائري عام 1988 وتحركات الشارع التونسي في عهد بورقيبة، فتلك تحركات قصرت عن تحقيق القصد الشعبي من التحرك.(4)
    ولا يعني ذلك إطلاقا أن الجماهير تعيش علي الخبز وحده، فالمجتمعات هي كيانات مركبة ومتداخلة تعيش بصورة كلية في ميادين شتي ومختلطة في كل اللحظات . ولكن يمكن القول أيضًا إن الجماهير تختار إستراتيجيات سياسية في حقب أو فترات مختلفة بقدر ما تتوفر معطيات مناسبة أو غير مناسبة، وإن إستراتجيية العمل أو النضال الانتفاضي هي الاستثناء في التاريخ السياسي والاجتماعي لأي شعب أو مجتمع بغض النظر عن مستوي تطوره السياسي والاجتماعي . يشير كل ما حدث في أقطارنا العربية، إلي أن الجزء الصغير نسبيًا من النشطاء الدائمين - أو شبه المتفرغين - للنضال السياسي تحوّلوا خلال ربع القرن الماضي بصورة حاسمة عن اليوتوبيات العلمانية والتقدمية إلي يوتوبيات مضادّة، وبالتالي لا يكون السؤال السليم ميدانيًا: لماذا لم تتدخل الجماهير في الصراع حول قضية الديمقراطية، بل متي تتدخل الجماهير ولصالح أي طرف؟
    يتمتع الحراك ذ مهما تكن علته وغايته وشعاراته - بطبيعة تعقيدية يلتقي فيها الزمان والمكان ، وتتداخل فيها الأحلام والتصورات والقيم، وهو ذو طابع صراعي حتي لو كان سليمًا ومنظّمًا، فعنفيّته أحيانًا من صلب صراعيتّه الضدّية. وحين يواجه بالعنف والقمع يزداد أكثر. أما الأمر المضحك فكون هذا الحراك في الأصل نتاجًا للسلطة التي جارت المعارضة في الخروج إلي الشارع. ولا بد من الإشارة هنا إلي أن العملية الحراكية بكل أنواعها هي تفكير أيضًا بطريقة أخري ورؤية،هي خطاب بلغة تحليل للخطاب الجديد، خطاب يحتوي علي الرموز والإشارات والتعبير، ويحتاج إلي الفهم والتأويل.
    فلم يعد البيان والكتابة والجمال هي الخطاب، بل صارت كل علامة تحتاج إلي الفهم والتأويل, و تؤدي رسالة هي خطاب. وتعتبر مساحة المكان في الترسيخ وتأسيس العملية الديمقراطية عاملا أساسيا في بلدان عربية ما زالت القبضة الأمنية والاستبداد فيها أكثر استفحالا، ويعتبر تحرك الشارع بارقة أمل في التغيير، ولو كان هذا التحرك محدودا وفي مناطق معينة، كما قد يكون مرتبطا أحيانا بجهة معينة أو بجماعة عرقية - إثنية متميزة في منطقة ما.(5)
    أصبحت التقانة تتحكم في نبض الشارع وتؤجج حراكه وفاعليته. إن التطورات التقانية والمعلوماتية وهوامش الحرية الأكثر اتساعا في السنوات الأخيرة تسمح بتطوير الكتابة في هذا الشأن، علي رغم ما يلاحظ من أن العملية الحركية في الشارع العربي والتغير الدولي هما أكثر سرعة وتغيرا وتطورا من العملية التنظيرية والكتابة الاتفاقية الاستشرافية، ولعل سبب ذلك مايلي:
من الطبيعي أن الحركة علي المستوي الاجتماعي والسياسي أكثر سرعة، ولكن هي تتم ضمن تصورات وقيم مصاحبة لها علة وغاية ولا تنفك عنها. ومن هنا لم يعد للفصل من قيمة، وبات من المتجاوز الحديث عن الفصل بين الحركية العملية والحركية النظرية، فالحركة واحدة متداخلة ومتقاطعة، وهنا نشير إلي الدور الذي أداه العالم السوسيولوجي ماكس فيبر في كسر النظريات التقليدية في فهم هذه العلاقة بطرحه قضية الفهم والتغيير.(6)
     ثالثاـ ثورة تونس. جراحة عفوية بمنظار دقيق وأفق مفتوح:
    يعتبرالباحث المصري عمار علي حسن أن ما شهدته تونس حدث غير مسبوق يضاف إلي سجل الثورات التاريخية التي صنعتها الشعوب فلم يشهد التاريخ سوي ثلاث ثورات مهمة هي: الثورة الفرنسية في العام 1789 والثورة البلشفية في العام 1917والثورة الإيرانية في العام 1979 وها هو الشعب التونسي يسجل اسمه في سجل الثورات(7) الخالدة بانتصاره علي واحد من أشرس الأنظمة القمعية في العالم الثالث وخاصة العالم العربي ألا وهو نظام زين العابدين بنعلي الذي حكم تونس بالقمع والقهر لأكثر من 23 عاما.
    إن " نظام بن علي كان من أشد الأنظمة القمعية في العالم العربي، حيث كان يستخدم قوات الأمن في فرض سطوته علي البلاد، ووضع القيود علي وسائل الإعلام بشكل غير مسبوق، وكبت الحريات، ولم يستفد من النمو الاقتصادي الذي شهدته تونس في عهده سوي قلة من بطانة حكمه، في حين كان الشعب يعاني البطالة والفقر، وعمل النظام كذلك علي تدمير الأحزاب السياسية، والنقابات المهنية والعمالية، دون أن يدري أن كل ذلك سيولد الانفجار في لحظة ما، ولما حانت تلك اللحظة التي انطلقت مع انتحار بائع متجول جامعي (محمد البوعزيزي) من خلال إضرام النار بجسده في الشارع، انتهزتها الطبقة العاملة فرصة، وعضت عليها بالنواجذ، فاندلعت تظاهرات رفعت شعار " الخبز"، ثم تضامنت معها الطبقة الوسطي، مطالبة بالحرية، ولم يستطع بن علي السيطرة علي الأوضاع بعد أن فقد السيطرة علي الشرطة والجيش، فاتخذ قراره بالرحيل الي خارج البلاد في 14 يناير الماضي، ما يعتبر واحدا من أهم انتصارات الشعوب الـ40 الماضية، التي لم تعرف فيها المنطقة العربية سوي الانقلابات العسكرية أو التغيير من داخل الأنظمة الدكتاتورية نفسها." (8)
     ومع زخم الأحداث وتدافعها أصبح السياسي أمام تساؤلات جوهرية مثل هل وضع تونس جاهز للحرية العاقلة والتداول السلمي للسلطة والانفتاح التعددي علي مختلف القوي والشرائح أم ستتحول الانتفاضة إلي نموذج إضافي يثير المخاوف لدي دول الجوار والمحيط العربي؟
تونس يمكن أن تشكل في حال نجاحها في تخطي إرباكات المرحلة الانتقالية ذلك النموذج المعقول والمطلوب لكسر تلك الصور النمطية السلبية عن حال الحرية وارتباطها بالفوضي وعدم الاستقرار والاضطراب الأمني كما هو وضع لبنان حاليا والجزائر سابقا. الاحتمال غير مستبعد إذا استطاعت السلطة المؤقتة ضبط مسار الانتفاضة في قنوات مدنية تعددية تعطي فرصاً للتنافس انطلاقا من برامج سياسية واضحة الأهداف والبنود.
    إن ظروف تونس المغايرة لصورة لبنان (التعدد العصبي الطائفي والمذهبي) لكونها دولة شبه متجانسة في تركيبها الديني والمذهبي ومتقاربة في نسبة نموها الاجتماعي ومستواها التعليمي، وهذه الخصوصية في حال أحسنت السلطة المؤقتة استخدامها لتطوير نموذج تعددي في المرحلة الانتقالية قد تشكل مناسبة لإنتاج تجربة تشجع جمهور دول الجوار والمحيط العربي علي الأخذ بها بوصفها وصفة ناجحة لمشكلات مستعصية.
     إن التجانس التونسي ليس عاملا كافيا للتماسك السياسي، ولكنه يعطي أفضلية للتقدم باتجاه المراهنة علي احتمال ظهور نموذج معاصر يتمتع بمواصفات معقولة ترضي القوي المتنافسة علي الأخذ بمحسناته وإيجابياته. وهذا التجانس النسبي الذي يقوم علي تعددية حزبية ونقابات مهنية وطبقة وسطي منفتحة يعتبر خطوة متقدمة قياسا بالبلدان التي تتنافس ديمقراطيا علي قاعدة تعددية عصبية قبلية أو طائفية أو مذهبية أو مناطقية كما هو حال العراق مثلا، كما أن أنظار المحيط العربي مشدودة الآن إلي تونس، والجمهور يراقب الانفعالات والتحولات بانتظار أن تنتج تلك المتغيرات ذلك النموذج المعقول والمطلوب لكسر تلك القناعات.
تبدو الاحتمالات منعقدة علي مدي نجاح السلطة المؤقتة في إنجاح انتقال البلد في فترة الانتفاضة إلي حال من الاستقرار يستوعب الاستحقاقات ويستقبل المتغيرات بمرونة وانفتاح . المرحلة الانتقالية خطيرة وحساسة وهي علي قصر مدتها الزمنية تشكل ذلك المفتاح السياسي الذي يمكن أن يدخل المنطقة في طور مغاير للزمن السابق أو يؤدي إلي نوع من الارتداد عن التعددية والعودة إلي الاستبداد وعسكرة النظام.(9)
     إن تونس التي عاشت تحت نظام "بن علي" أكثر من 23 عاما، ولم يجـد مواطنوها متنفسا للتعبير، في ظل القيود الصارمة التي فرضـها الرئيس علي الصحافة والإنترنت وحرية التعبير، تعيش الآن فترة هي الأكثر حساسيـة وخطورة، خاصة وأن مواطنيها اختاروا الطريق الذي تري بعض الأنظمة الأخري أنه يجب أن يكـون تدريجيا، وبما أنهم بدأوا من النهاية، وأطاحوا برأس السلطة، فلم يعد الآن هناك مجال للتراجع، إما عهد جديد، أو أزمات سياسية داخلية وعدم استقرار قد يمتد لسنوات، وهو ما يمكن ترجمته عمليا إلي تضاعف نسبة البطالة وتفاقـم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، هذا بخلاف الانفلات الأمني الذي قد تتسم به مثل هذه الحالات، ووقتها قد يقول البعض) أين أيام بن علي! (فهناك أيضا من رأوا فيه نموذجا للاستقرار علي حساب أهــم ثروات المجتمع، وهو المواطن). وهو خطاب يروج له الكثير من العرب المترحمين علي أيام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين عند رؤية التناحر الطائفي في العراق والقتل المجاني بالجملة علي الهوية.
     و بنظرة للوضع السياسي والحزبي في تونس في عهد الرئيس زين العابدين، من الممكن ملاحظة وجود بعض الأحزاب المعارضة، التي بدت علي أنها نوع من الديكور الذي استخدمـه النظـام كأداة مكملة لصورته في الخارج، كما يلاحظ أيضا جانب آخر، وهو أن "بن علي" كان يحرص علي الاستماع لرموز بعض هذه الأحزاب، وفي الغالب تنتهي هذه اللقاءات ببيانات حول مدي إصغاء الرئيس لمواقف ونبض الشارع، ونقـل صورة إيجابية من داخل القصر حول الرئيس المنصت الذي يسعي إلي تلبية تطلعات المواطنين، وهي بيانات كثيرة من الممكن العثور عليها علي المواقع الإلكترونية المتواضعة لهذه الأحزاب، والتي لا يتعــدي بعضها كونه مدونة مجانية الركح السياسي التونسي أو حتي حساب علي الفيس بوك، تمارس التسويق السياسي المجاني لسيادة الرئيس (10).
    بدأت مظاهر الفساد تظهر علي سطح الحياة السياسية التونسية بعد تنفذ محيط عائلة بن علي، خاصة أصهاره آل الطرابلسي والماطري بعد زواج بن علي من ليلي التي تعد زوجته الثانية. فقد تحكمت عائلة بن علي في كل مفاصل الاقتصاد، فقد تحكمت في البنوك والعقارات والسياحة والإعــلام. استحوذ بلحسن طرابلسي، أخ ليلي الأكبر، علي شركة الطيران "كورتاجو إيرلاينز"، وجعل الشركة التونسية "تونس إير" في خدمتها سواء عبر اللوجيستيك وحتي في سوق نقل السياح. كما أن زوج إبنة بن علي، صخر الماطري، استحوذ علي بنك الجنوب التونسي وجني من صفقة بيعه 17مليون دينار تونسي، كما أن الأخير كان العارض الوحيــد لصفقة فتح وكالات بيع السيارات بعد أن تدخلت أسرة زوجته.
    و حسب مصادر لرئيس المجلس الوطني للحريات في تونس، عمر المستيري، فقد أكد، أن ليلي بن علي أخذت معها 1500صفيحة ذهبية، وهي تغادر البلاد استخرجتها من البنك المركزي التونسي، كما أن تنفذ ليلي في الحكم يذكرنا كيف استطاعت أن تسحب الجنسية التونسية من زوجة الراحـل عرفات "سهي" والالتفاف علي مشروع المدرسة الخاصة الذي كلف 205 ملايين أورو.
    كما أن القبضة الحديدية للرئيس بن علي علي كل أجهزة الدولة جعلته يسخر كل الأجهزة الأمنية لبسط سيطرته عبر قمع كل الأصوات المعارضة والقضاء علي أي إمكانية لتواجد التيار الإسلامي الذي زج بأقطابه وأتباعه في السجون. وتذكر الإحصائيات أن عدد المعتقلين وصل أوجه سنتي 192، 1993 حين تجاوز عشـرات الآلاف، بعدما زج بالإسلاميين بالمئات سنة 1999وأعقب ذلك مئات ممن اتهموا بالانتساب إلي السلفية الجهادية وكانت في أغلب الأحوال، اعتقالات استباقية من أجل حشد الدعم الغربي لنظام بن علي.
    كما أنه تم التضييق علي المعارضة وزج بالمنتسبين إليها في السجون وهو ما جعل موضوع الحريات والإعــلام بمثابة رفاهية في تونس التي تحجب فيها مواقع المعارضة ومواقع الاتصال الاجتماعي، حيث تتحكم عائلة بن علي في أجهزة الإعلام السمعية والبصرية والمكتوبة وحتي موزعي الانترنت(11).

رابعا :شجاعة الشباب.وإزالة بقايا الجنرال:

    يروي الصحفي والإعلامي التونسي رشيد خشانة حكاية الشابين اللذين انتحرا لدي انطلاق الانتفاضة في سيــدي بوزيد، وهما محمد البوعزيزي (26 عاما)، وحسين الفالحي (25 عاما) الذي تسلق عمودا كهربائيا معلنا قرفه من العوز والبطالة قبل أن يتفحم، بكونهما يرمزان إلي يأس ذلك الجيل الجديد ليس فقط من تحقيق أحلام المستقبل، التي تملأ صدر رأس كل شاب، وإنما حتي من تأمين الحـد الأدني من الحياة الكريمة. وكانت الإحصاءات الرسمية تقدر نسبة العاطلين بـ14 في المائة في المحافظات الداخلية، وتشمل 30 في المائة من الشبان المنتمين للفئة العمرية ما بين 15 إلي 29سنة. وتعتبر هاتان النسبتان من أعلي نسب البطالة في العالم العربي، ما أوجد قطاعات واسعة من المحرومين والمهمشين الذين شكلوا وقودا للانتفاضة الاجتماعية في مختلف المناطق، ويؤكد بأن الحادث الأهم في الواقع الاجتماعي التونسي
هو ارتفاع نسبة المتعلمين والخريجين بين هؤلاء العاطلين، الذين شكلوا في السنوات الماضية اتحادا للخريجين العاطلين، إلا أن الملاحقات الأمنية والاعتداءات شلته. وبهذا المعني فالعاطل التونسي يشكـل نموذجا خاصا لكونه ليس عديم التكوين ولا فاقدا للخبرة، بل إن مستواه العلمي يحول دون عثوره علي فرصة للعمــل. وخلال العقد الأخير، ارتفعت نسبة الباحثين عن وظائف من بين حملة الشهادات، من 20 في المائة من القوة العاملة سنة 2000 إلي 55 في المائة سنة 2009 وتعزي تلك المفارقة إلي عدم مواءمة النظام التعليمي لمتطلبات سوق العمل، مما أفرز كتلة بشرية هامة من المهمّشين الذين يدفع بهم القنوط إلي الانتحار.
    غير أن إحدي السمات المميزة لظاهرة البطالة في تونس، مقارنة بالمغرب والجزائر مثلا، هي أن مرونة العاطلين تمنحهم القدرة علي إيجاد أعمال مؤقتة في قطاعات اقتصادية موازية، مثل بيــع الخضار علي العربات وغسل السيارات الخاصة والعمل في ورشات البناء، وهو ما أفرز متعلمين يقبعون في أسفل السلــم الاجتماعي، ولا يتمتعون حتي بالحقوق التي يتمتع بها الباعة الدائمون أو البناءون العاديون.
وفي مناخ محتقن كهذا، لا مجال فيه حتي للمخاطرة بالقفز إلي قوارب الموت إلي أوروبا بعد فقدان الأمل في الجنة الموعودة، تكاثرت ظاهرة الانتحار بوصفها علامة علي القنوط ونتيجة لانسداد كافة السبل أمام قطاعات واسعة من الشباب. ويقدر عدد المنتحرين في تونس بألف شخص سنويا، وهي نسبة مرتفعة في بلد لا يتجاوز عدد سكانه 10ملايين فرد، ما يعني أن هناك مواطنا واحدا يلجأ للانتحار من كل ألف مواطن، علي رغم الموانـع الدينية والاستهجان الاجتماعي والأخلاقي لهذه "الحلول". ومن الأرقام ذات الدلالة في هذا المجـال ما صرح به الدكتور أمان الله السعدي، الأستاذ في كلية الطب ورئيس قسم الإنعاش الطبي بـ "ركز الإصابات والحروق البليغة"، من أن 12 في المائة من الوافدين علي المركز هي حالات تخص من حاولوا الانتحار. كما أفاد أيضا أن المركز سجل 280 حالة انتحار في عام 2010منذ بداية العام حتي أكتوبر فقط، أي ما بمعــدل 28 حالة شهريا، أو حالة انتحار في كل يوم تقريبا.
    أما القطاع السياحي، الذي يشكل مصدر الدخل الثالث بعد الفوسفات والمكونات الكهربائية والميكانيكية، فلا يفتح بدوره آفاقا حقيقية لهؤلاء الخريجين لأنه يعتمد أيضا علي ذوي المهارات المتدنية، وهو موجه أساسا للأوروبيين ذوي المداخيل المنخفضة والمتوسطة (12).
و ترافقت تلك الاختلالات الهيكلية مع اختلال هام آخر يتعلق بعدم التوازن التنموي بين المناطق الشرقية، الواقعـة علي الشريط الساحلي، والمناطق الداخلية، وظل هذا التفاوت الموروث من فترة حكم الرئيس الحبيب بورقيبــة عام 1956 يتعمق طيلة العقدين الماضيين. فبلغ حجم الاستثمار في قطاع الصناعة في المناطق الشرقية 689 مليون دينار (472 مليون دولار) في الأشهر الثلاثة الأولي من عام 2009و 587 مليون دينار (402 مليون دولار) خلال الفترة نفسها من 2010 فيما لم يتجاوز الحجم في المناطق الغربية، التي تعتبر مناطــق ظل، 258 مليون دينار (177 مليون دولار) في عام 2009و172 مليون دينار تونسي (118 مليون دولار) في عام 2010 بل إن التفاوت ظهر جليا حتي في نسبة التراجع بين مناطـق وأخري، إذ لم يتجاوز 15في المائة في المحافظات الساحلية، فيما وصل إلي أكثر من الضعف (33 في المائة) في المحافظات الداخلية بهذا المعني نفهم لماذا انطلقت الثورة الاجتماعية غير المسبوقة من الوسط الغربي،
    و انتشـرت أساسا في المناطق المحرومة التي تعاني من التهميش. وفي أجواء الشعور بالحيف الجهوي والغبن الساري بين أبناء تلك المحافظات المنسية، ترعرعت مسوغات التمرد الجماعي، الذي لم يكن ينتظر أكثر من عود ثقاب، سرعان ما قدحــه الشاب البوعزيزي بإقدامه علي فعل تراجيدي شديد الرمزية، مكثف الدلالة، بعيد الصدي(13).
    يعتبر العناد الشعبي أحد أهم ملامح الثورة التونسية، إنه العناد الممزوج بالاستبسال في الدفاع عن كرامة اجتماعية وسياسية مهدورة بدأت ثورة تونس الشعبية المجيدة، بانتفاضات خبز محلية تكررت عدة مرات في وسط وجنوب البلاد في العامين الأخيرين. ولكن الانتفاضة الأخيرة دامت زمنا يكفي كي تنضم إليها المدن والنواحي التونسية الأخري. ويعود الفضل في ديمومتها إلي عناد وبسالة أهالي ناحية سيدي بوزيد الذين اختلط لديهـم المطلب الاجتماعي، بالغضب والدفاع عن الكرامة في مواجهة الإذلال. كانت البداية إذن انتفاضة الخبز والكرامة، وليس الخبز وحده. هذا المركب من رفض الحرمان، ورفض الذل، هو الذي يؤدي للعناد في التعبير عن الغضب(14).
ليست كل انتفاضة خبز مرشحة للتوسع والامتداد حتي التحول إلي ثورة. وقد نجحت في التمدد في هذه الحالة لأسباب عديدة، أهمها:
أ) رد فعل الدولة المستخف بذكاء الناس، ورد فعل الأجهزة الأمنية المستهتر بحياة الناس.
ب) أن تونس أصبحت ناضجة لرفض الوضع القائم من قبل الفئات الاجتماعية المتضررة من التمييز والاستغلال، والمتأذية من اقتصاد النمو دون تنمية، ومن الاقتصاد السياحي الذي يغني ويطور مناطق، ويفقر أخري، ويرفع أسعار العقارات دون نمو لسائر فئات المجتمع. وفقد الاقتصاد الذي يعتمد علي صناعات صغيرة تصدر لأوروبا أهليته للمنافسة حين دخلت الصين منظمة التجارة الحرة، وانحسرت صناعة النسيج والألبسة التونسية وزادت نسب البطالة.
ج) في هذه الحالة عادت حتي انجازات النظام السابق وبالا عليه. فقد ارتفعت نسبة التعليم في تونس فعلا، وقد اهتم نظاما بورقيبة وبن علي بالتعليم فعلا. ولكن نسب التعليم المرتفعة تتحول إلي عبء علي النظام في حالة عدم تمكنه من توفير فرص عمل للخريجين، في الوقت الذي ترتفع فيه نسبة التوقعات عند المتعلميــن لمستقبل أفضل. فحجم الخيبة غالبا ما يكون بقدر حجم التوقعات. ويرفع التعليم نسبة التوقعات، كما يرفع منسوب الوعي الرافض للظلم والفساد(15).
في خضم هذا التدافع والصراع بدا النظام التونسي علي حد تعبير المفكر عزمي بشارة ــ نظاما بلا قضية، "دكتاتوريته رمادية"، لا صلة لها بمزاج الشارع والرأي العام. وقد بدا غير مبال بشكل كامل بالقضايا العربية، ورتب علاقاته مع إسرائيل منذ أوسلو، وجعل قبلته الشمال بشكل سافر وعلني، ولم يكن لديه ما يتباهي به سوي "العلمانوية" التي عمت أعين الكثير من المثقفين والفنانين وغيرهم عن رؤية طبيعـــة النظام الحقيقية. فالعلمانية لا تكفي للتدليل علي شيء، وهي ليست نظام حكم، ولا هي سياسة اقتصادية اجتماعية. والواقع أن التضرر منها قد شمل الفئات المتدينة والعلمانية علي حد سواء(16).
بدأت ثورة تونس عفوية، ولكنها لم تستمر كذلك، إذ انضمت النقابات والمنظمـات الحقوقية ونشطاء قوي سياسية واتحادات الطلاب إلي الاحتجاجات. وحتي حينها لم تكن للانتفاضة قيادة سياسية معارضة معروفة.
هذا لا يعني أنه يحظر علي الأحزاب السياسية استثمار الثورة من أجل التغيير الديمقراطي، فهذا دورها. قد تكون الثورة عفوية، وقد تكون الفوضي الأولي من عناصر قوتها، ولكن العفوية تصبح ضعفا وخطرا حين يتطلب الأمر إدارة المجتمعات والدول، إذ يصبح الأمن الشخصي والاجتماعي وتنظيم الحياة العامة مطلب المجتمع(17) .
    من الملاحظات الجديرة بالتوقف تلك القوة التأطيرية للجمعيات وحركات المجتمع المدني بشكل ساهم بخلق وعي جماعي مدني لحماية الممتلكات العمومية والشخصية، ولعل هذه صفة تونسية تعود لقوة التأطير المجتمعي والتواجد التاريخي المتغلغل لهذه الجمعيات في الأوساط التونسية. ولعل ما يدعو للدهشة والانتباه هو تعاطي المجتمع التونسي مع الفضاء الجمعياتي منذ القديم، إذ ظهرت أولي الجمعيات الخيرية العصرية وازدهرت في أواخر القرن الـ19 وهذا ما يفسر صدور أول أمر ينظم الجمعيات بالرائد التونسي في 15سبتمبر 1988. وقد تضمن هذا الأمر في المادة الثانية منه موافقة الدولة علي تأسيس الجمعية، إذ تأسست جمعية الخلدونية سنة 1896 وجمعية قدماء التلاميذ الصادقية سنة 1905، وجمعية التعاون الخيري بصفاقس سنة 1913. ورغم تعاطي المشرِّع التونسي بنوع من الصرامة والرغبة في تدجين الجمعيات التونسية بدءاً من القانون7 نوفمبر1959 (نظام الترخيص المسبق) وصولا إلي قانون رقم 90 المؤرخ في 20 أغسطس 1988إلا أن عدد الجمعيات التونسية تجاوز 5553 جمعية سنة 1998ليصل إلي 7529 جمعية سنة 2000تنشط في مجالات عديدة وتختلف درجة فاعليتها وتأثيرها، بحسب مجال نشاطها وحسب طبيعة علاقتها والنظام السياسي السائد (18) ونعتقد أن وجود عدد كبير من الجمعيات تتمتع     بحراك تنوعي تساهم بشكل لا يمكن إنكاره في إذكاء روح العمل الجماعية وتنمية الوعي والذكاء الاجتماعي.
إن الدرس التونسي الذي بدا مفاجئا ومثيرا، كان يمكن أن يكون تعبيرا عن مسار نمطي آخر في البيات الشتوي العربي . فقد حدث الكثير لتقع المعجزة بالطبع، لكن السبب الذي أدي لخروج الشعب التونسي وتحويله للمسار الاحتجاجي المطلبي إلي مسار سياسي ربما يكمن في حقيقة قد لا ينتبه لها الكثيرون. و هي حقيقة يراها البعض مدعاة للتعجب. ذلك أن تونس كما هو معروف حققت في زمن زين العابدين بن علي الكثير من معدالت التنمية المقدمة (19) في مجال البني التحتية والنظام التعليمي والبنية السياحية، وهذه التنمية خلقت بطبيعة الحال وجودا حقيقيا لطبقة وسطي بصورة من الصور، الأمر الذي يفسر لنا الكثير من التحولات التي يمكن أن تحدث علي يد تلك الطبقة. فالوعي هو الذي يصنع المعجزة وليس الفقر المدقع أو الغني المترف ومع ذلك فإن تونس بوعي نخبها التي استفادت من نظام تعليمي متقدم، ومن ثم استخدام تقنيات التواصل الحديثة عبر الانترنت، رغم الجفاف الذي أدي إلي إفساد السياسة عبر تغييب بنياتها وآلياتها الموضوعية طوال 23عاما وفق استراتيجية كانت تنطوي علي خطورة بنيوية معيقة، قد تؤدي لا سمح الله إلي انفلات أمني يذهب بها إلي المجهول، إلا أن الشعب التونسي الذي يعرف تماما ما لا يريد ربما أمكنه الوصول إلي ما يريد إذا أدرك طبيعة الحكومة التي ينبغي أن تتولي الأمور عبر تمثيلها لأكثر المكونات السياسية والتكنوقراطية للشعب التونسي (20). بلا إقصاء وتهميش لجميع الفعاليات والبيانات السياسية، إن الإرهاص الكبير الذي يؤرق المتتبع لهذه الثورة هو قدرة النخب التونسية علي فك المعادلة التي تقول: إن قدرتك علي معرفة ما لا تريد لا تعني بالضرورة قدرتك علي ما تريد. فالشعب الذي عرف تماما ما لا يريد - أي وجود نظام بن علي ذ يفترض أن يجسد ما يريده علي نحو يترجم آفاق ثورته ليدون تاريخاً سياسيا جديدا تحكمه في ذلك المقولة الشهيرة " أن تفكر سياسيا بشكل جيدا فهذا يتطلب منك أن تقرأ تاريخيا بشكل جيد "
الخاتمة:
    يقول المثل العربي إذا ضربت فأوجع، وإذا تكلمت فأسمع، وإذا مشيت فأسرع، وإذا أطعمت فأشبع، وإذا ناقشت فأقنع، وإذا كتبت فأبدع، وإذا أشعرت فأسجع.
    من المهم ولنجاح الثورة أن تواصل النهج السلمي في التغيير بطريقة العصيان المدني من طرائق لا حد لها أوصلها جماعة اللآعنفيين إلي طريقة من الاعتصام السلمي والمظاهرات والإضرابات والصيام ورفع الشعارات وحفلات الموسيقي وتعليق اللافتات علي الباصات والجلوس علي الأرض. وصيانة الثورة بعد نجاحها بنفس الأسلوب وكذا استكمال العمل حتي الأخير فمن لم يتم عمله كأنه لم يعمل شيئا. ومتابعة العصيان المدني حتي كنس النظام بالكلية والتغيير الكامل بولادة أمة محررة من الخوف (والعبودية21).
    أما الدرس التونسي البليغ فيكمن في أن تغيير النظام لا يتحقق فقط بـ "فرار" بن علي. وكأنهم ذ أي التونسيين - استخلصوا دروسا من تجارب عربية أخري، حيث استبق النظام الغاضبين، رافعا لواء التغيير والإصلاح ليتلاعب بها، ويدجنها كما يشاء. مستعملا اللجان والتقارير واللقاءات والندوات.، وما كان يستقبل به بعض المعارضة التونسية التي أبدت تجاوبا مع اصطلاحات بن علي المعلن عنها في آخر خطاب له، رفضه الشارع الذي وصل تحديه لبقايا النظام. فتونس تريد التغيير، وهي تصنعه فعلا. تونس لا تريد الخلط بين القديم والجديد. لأنها وصلت إلي ذروة عدم ملائمة القديم مع الجديد. والرصاص الذي "أكل" حياة مواطنين. وعمليات التوقيف والتعذيب أدت إلي التصعيد، ثم إلي المطالبة بإزالة السيف الذي كان مصلطا ًعلي رقاب التونسيين. لقد رفض بن علي التغيير، فأقصاه الشارع (22. وخلاصة لكل ما سبق يمكن القول :
ــ إن قوة الثورة التونسية هو كونها امتداد لنبض الشارع، وتحرك لشارع احتضن الثورة فاحتضنته بآفاقها السياسية والقانونية والاجتماعية.
ــ إن الثورة تقاس قدرتها علي البناء، بناء الدولة وبناء السلطة وبناء السياسة، وهو تحد كبير سيواجهه التونسيون خلال السنوات القادمة.
ــ من الواقعي والبراجماتي أن لا تحمل الثورة التونسية أكثر من حمولاتها، فتونس دولة قليلة الموارد، ولكنها تتمتع بموارد بشرية عالية التأهيل والتكوين، ولأجل ذلك ينبغي لإدارة الدولة وشونها أن تراعي في تعاطيها المستقبلي مع الجوار المتوسطي ذلك التوازن الذكي للحد من الفقر، وتحقيق تنمية توازن بين الحق في التنمية الإنسانية الاقتصادية والحق في التنمية الإنسانية الاقتصادية والحق في الحرية علي حد سواء.
ــ إن الدولة لا تبنيها الايديولوجيات رغم ضرورتها وأهميتها، ولكن يبنيها فن التدبير وبراعة التسيير، ومهارة إدارة الائتلاف والاختلاف علي السواء، وتلك مهمة صعبة ووعرة إذا أجادها التونسيون فإنهم لن يقعوا قطعا في حروب الاستقطابات الفئوية، وطواحين الصراعات المناطقية والجهورية الضيقة.
الهوامش:
1ـ هذه بعض التساؤلات التي طرحها المفكر العربي عزمي بشارة في محاضرة ألقاها بعنوان ثورة الشعب في تونس، أسبابها ونتائجها وإنعكاساتها عربياً، من تنظيم المركز العربي للبحث في السياسات، في الدوحة، الخميس20 / 1 / 2011 .
2ـحيلاحظ أنّه قبل سقوط نظام "بن علي" تغيّرت الشعارات كلية إذ أخذت أبعاداً سياسية مثل "خبز وماء وبن علي لا"، "بن علي إرحل"، Ben ali dgage".
3ـ تعتبر الثورة الفرنسية أن الديمقراطية ليست مسألة خبز وزبدة ولكنها مسألة ذهنية وقلب
La Dmocratie nصest pas un question de pain et de beur, cصest une question d+ esprit et de cدur .
4ـ علي خليفة الكواري ، بشائر تونس: تحركات الشارع العربي من أجل الديمقراطية: في الديمقراطية والتحركات الراهنة للشارع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ديسمبر 2007ص:32 ــ 7 .
5ـ بومدين بوزيد ، حدود قوة الشارع في التغيير السياسي وسبل تعزيز التحول الديمقراطي ومحاولة في فهم تعثر التجربة الديمقراطية في الجزائر، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد11 صيف 2006، ص44 ، 54، 64.
6ـ الديمقراطية والتحركات الراهنة للشارع العربي، المرجع السابق، ص، 21.
7ـ كتبت دراسات غربية عديدة حول ثورة الشارع مثل:
-PHILIPPE Godard, la dmocratie a- t- elle t un seul jour pour le "pouvoir du peuple"
Publien PDF par di ogene.ch.
http//creativecommons.org/licenses/by-nc-2.0/fr/ %20
-C dric Milhlat, تla souvrainet du/des peules (s):utile/ultime contre pouvoir face ltat et lunion europenne
www.droit constitutionnel.org/congres Paris/ة/ Milhat TXT.pdf
- raphal canet,le peuple contre la nation: Mobilisations sociales et dmoratie au Mexique,
la chronique des Amriquesت,janvier 2007N 2.
8ـ صبري حسنين، خبراء:الثورة التونسية ستلهم الشعوب للتخلص من الاستبداد،
http//www.elaph.com/web/news/2011/1/625031-html
9ـ وليد نويهض، تونس ومخاطر المرحلة الانتقالية، مجلة الوسط، عدد 17 يناير2011 الموافق 13صفر 1433هـ، ص:18.
10ـ مقال بعنوان:الشارع التونسي بدأ طريق الديمقراطية من نهايته وأطاح برأس السلطة، ونجاح الثورة البيضاء علي المحك.
http//:www.alray news.com/news.aspxid=380678
11ـ يومية الخبر الجزائر، عدد الأحد16 يناير2011الموافق ل 11 صفر 1433هـ، ص 6 .
12ـ رشيد خشانة، الإنتفاضة التونسية :الدوافع والتداعيات، يناير 2011سلسلة تقارير مركز الجزيرة للأبحاث، يناير 2011 ص:2 - 4
13ــ المرجع السابق، ص، 4 ــ 5 .
14ــ عزمي بشارة، مصدر ثورة تونس الشعبية المجيدة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2011ص:20
15ــ المرجع السابق، ص،3 .
16ـ المرجع السابق، ص،4.
17ــ المرجع السابق، ص،5 .
18ــ للاستزادة أكثر تطالع الورقة التفصيلية للباحثة:
فتحية السعيدي، تقييم وطني لمشاركة المواطنين والمجتمع المدني في إصلاح القطاع العام في تونس، برنامج الادارة الرشيدة لخدمة التنمية في الدول العربية ص:20ــ 21 .
www.pogar.org/publications/civill/assessments/tunisia-a.bdf
19ــ ضلت تونس الي ما قبل الثورة الشعبية رمزا لجودة الحياة وفق تقارير دولية وغربية، لاحظ مثلا أنه وفق تقرير مؤسسة انترناشيونال ليفنغ (international living) لسنة 2009. أن تونس تعتبر الأولي عربياً من حيث جودة الحياة، الثانية عالمياً من حيث حسن التصرف في المال العمومي وفق منتدي دافوس، نسبة التحضر أكثر من 65% نسبة الإنارة الكهربائية ونسبة الربط بمياه الشرب 98% نسبة المالكين لمسكنهم الخاص 80%، توسعت الطبقة الوسطي لتشمل أكثر من ثلثي المجتمع 81 %، نسبة الفقر 38%، التغطية الاجتماعية 91%، نسبة تعليم الأطفال 90%، ورد ذلك في صحيفة العرب الأسبوعي عدد السبت 4 / 2 / 2009.
20ــ محمد جميل أحمد، الانتفاضة التونسية، جدلية الوعي والجغرافيا، موقع ايلاف يوم 15يناير 2001
http//:www.elaph.com/web/opinion/2011/01/625097.html
21ــ خالص جلبي، أيّها التوانسة احذروا الإنقلاب؟ موقع إيلاف يوم الأحد 16يناير2011
http//:www.elaph.com/web/opinion/2011/10/625214 .html
22ــ يومية الخبر، الجزائر، عدد الأحد 16يناير 2011ص،20.



المصدر : 
 http://digital.ahram.org.eg/Policy.aspx?Serial=479013

انعكاسات العولمة على المضامين التعليمية


الدكتور قوي بوحنية

     تبدو العولمة كسيرورة ذات مساقات  تقانية واعلامية قد   ساهمت  بشكل  كبير في اعادة صياغة المضامين الفكرية والتربوية والتعليمية وهو ما أبرز مفاهيم الجودة والنوعية  وما تتضمنه من حلقات، وتأتي هذه الانعكسات بفعل ما تم  تطويره من مقاربات تهدف الى  الاهتمام بالكفاءة  تأسيسا لمجتمع المعرفة. وفي ما يلي عرض لأهم هده الانعكاسات.

انعكاسات العولمة  على المضامين التعليمية
أ. د. بوحنية قوي
أستاذ الادارة والعلوم السياسية جامعة ورقلة الجزائر
  تمهيد
        تبدو العولمة كسيرورة ذات مساقات  تقانية واعلامية قد   ساهمت  بشكل  كبير في اعادة صياغة المضامين الفكرية والتربوية والتعليمية وهو ما أبرز مفاهيم الجودة والنوعية  وما تتضمنه من حلقات، وتأتي هذه الانعكسات بفعل ما تم  تطويره من مقاربات تهدف الى  الاهتمام بالكفاءة  تأسيسا لمجتمع المعرفة. وفي ما يلي عرض لأهم هده الانعكاسات.
الاتجاه الأول: توظيف المقاييس الاقتصادية على النسق التعليمي:
     بما أن التعليم مشروع اقتصادي وليس فقط مشروعا تنمويا بيداغوجيا، علميا، إداريا وثقافيا فإن مدخلاته ومخرجاته شديدة الارتباط بعالم السوق التي أضحت متعولمة، فإن عولمة منطق السوق بالصيغة النيوليبيرالية منذ أواسط السبعينيات على سائر القطاعات الاجتماعية ومنها التربية والتعليم، أضحى الاتجاه الضاغط الذي تفرضه القوى الدولية ابتداء من مؤسسات "بريتن وودز" إلى المنظمة العالمية للتجارة، فالكل الاقتصادي الذي انتصر على دولة الرفاهية الاجتماعية والنموذج الكينيزي والتدخلي الاشتراكي للدولة في علاقتها بالسوق، ومنه ما يجري من تفكيك للضوابط القانونية التي كانت تخضع قطاع التعليم للإرادة الحكومية الداخلية فقط ومنه إضفاء المزيد من الخصخصة والمرونة على سيرورات تنظيم العمل، وتراكم المنتجات وتوزيعها واستهلاكها.
     هذا الاتجاه ما يفتأ يدخل إلى المنظومة التعليمية مفاهيم طالما اعتبرت من أدوات التحليل الاقتصادي كالمنافسة وكفاءة الأداء وتعظيم العائد وزيادة المردودية وتأكيد الربحية والابداع والابتكارية وغيرها من المفاهيم المرتبطة باقتصاد المؤسسة الانتاجية، التي طالما كانت وطنية التمويل والعمالة والأصول، فأصبحت مع ثورة الاتصالات والتغيرات في نمط تنظيم الإنتاج والتسويق مؤسسة تتحرك في سوق كوكبية الحدود، مع عمليات الأقلمة والعولمة الجارية للمبادلات والمعاملات خاصة مع تزايد ظهور التجمعات الإقليمية وتطور مسار تحرير التجارة الدولية منذ الحرب العالمية الثانية مع الجولات الثماني للاتفاقية العامة للتجارة والتعريفة الجمركية التي توجت بتأسيس المنظمة العالمية للتجارة.
     ففي سنة 1994م وقعت أول اتفاقية عامة للتجارة والخدمات/General Agreement For Trade and Services(GATS/AGCS)، على اعتبار أن حوالي ثلثي الأنشطة الاقتصادية في الاقتصاديات الصناعية تندرج ضمن قطاع الخدمات، وفيه أدرجت خدمات التعليم والتربية والتكوين والتدريب بكل أنواعها ومستوياتها، مع أن خدمة التعليم والتربية ذات أبعاد لامادية: ثقافية، اجتمـاعية  سياسية، حضارية أيضا.(1)
     وقد أخذ مصممو الاتفاقية المبدأين الكبيرين اللذين كانا أساسا لاتفاقية (الغات) المتعلقة بتجارة البضائع، وعمموهما على تجارة الخدمات، وهما: مبدأ الدولة الأولى بالرعاية ومبدأ المعاملة الوطنية. إن الاتفاقية العامة لتجارة الخدمات تقنن عملية تحرير تجارة الخدمات بشكل لا يقبل التراجع خلال مفاوضات دورية.
     ولأن هذه الاتفاقية من خلال التعريف الإجرائي الذي تتبناه لمصطلح الخدمات تستبعد من قائمتها الخدمات الموضوعة تحت تصرف الإدارة الحكومية، وتلك التي لا تكتسي طابعا تجاريا (المادة 1.3 من الاتفاقية)، فإن هذا يوحي لأول وهلة بأن خدمات التربية ليست متضمنة فيها، إلا أن الواقع غير ذلك، فالمنظومة التربوية لا يمكنها أن تستجيب لهذه المعايير، ما دامت لا توجد ضمن أفق تجاري  أي منظومة تربوية تمول وتدار كليا من طرف الدولة.
     فمعظم النظم التربوية تدخل ضمن المجال الذي تعنيه الاتفاقية، ومعظم الدول لديها نظم تربوية خليط حيث يتعايش التعليم الخاص والعمومي جنبا إلى جنب بنسب متفاوتة، لذلك فقد أصبح خضوع قطاع التربية لقواعد اتفاقية تحرير قطاع الخدمات أمرا تلتزم به حوالي ثلث الدول الأعضاء (من 144 دولة سنة 2003م )، قبلت بإدراج قطاع التربية ضمن قطاع الخدمات، فقاعدة ( الالتزام الصمت/Standstill) تنص على أنه بمجرد أن يلتزم بلد التزاما معينا، فلن يكون بمقدوره أن يفرض قيودا جديدة على الممولين الأجانب للخدمات، إلا أن يعوض البلدان المتضررة من تلك الإجراءات الحمائية، ولذلك نجد أنه لا توجد أي دولة فتحت قطاع التربية للمنافسة الحرة بلا قيود، نظرا للمخاوف التي تبديها إزاء الانعكاسات الثقافية والاجتماعية لفتح هذا القطاع الحساس، خاصة وأنه يتوقع عملا بقاعدة (Rollback) أن تفتح البلدان الأعضاء أسواقها تدريجيا، لذلك نجد فرنسا قد أصرت على اعتماد قاعدة " الاستثناء الثقافي" الشهيرة، كما أن اليابان قامت بوضع عدة عوائق قانونية حمائية لثقافتها و" تربيتها" للحيلولة دون الانعكاسات السلبية المتوقعة من تحرير قطاع الخدمات، بينما يجري تمرير هذا التوجه التفكيكي والتسليعي إلى قطاع التربية والتعليم في البلدان النامية وخاصة الخاضعة لبرامج التعديل الهيكلي وما يسمى بالإصلاحات الليبيرالية التي تضفى على الاقتصاديات المدينة أو المتحولة من الاشتراكية كالجزائر.
     إن المحاذير المختلفة التي أشير إليها والتي تنجم من آثار تطبيق (الغات) تهدد الكيانات التعليمية والبنى الثقافية الهشة للدول النامية، وأمام تردي الأوضاع الاجتماعية والمادية لأعضاء هيئة التدريس يترك المستقبل مفتوحا أمام سيناريوهات لا يمكن التنبؤ بها – ففي رأي الباحث – قد تحدث حركات نزوح داخل الدولة الواحدة، بمعنى قد يقدم عضو هيئة التدريس في جامعة حكومية استقالته ليمارس التدريس داخل دولته، ولكن في جامعة أمريكية أو ألمانية، ويتقاضى راتبا يفوق راتبه بأكثر من 10 مرات، ثم أن ذلك لن يكلفه هموم الهجرة وآلام الغربة !!
     لأجل ذلك نادت الكثير من الدول بضرورة إعادة النظر وإيجاد آليات محكمة لضبط وسائل التعاطي مع هذه الاتفاقية بما يحقق لهذه الدولة اقتناص الفرص الإيجابية وعدم القضاء على بناها التعليمية الجامعية.(2)
     من هنا يسعى المقاولون من أرباب الشركات الكبرى الخاصة في البلدان الصناعية، لتعميم عملية  تفكيك الضوابط/La déréglementationو" التسليع " على قطاع التعليم، فنجدهم يعززون موقفهم بالاستناد إلى رؤيتين: (3)
- الرؤية الأولى، يعبر هنا أرباب المؤسسات الموظِّفة، الذين يعتبرون أن نظاما تربويا محرراً من رقابة الدولة، ومقسماً إلى هويات مستقلة بذاتها ومتنافسة، يمكنه بشكل أفضل أن يتكيف - تلقائيا وبسرعة- مع التطلعات المتغيرة للأوساط الاقتصادية ومع التحولات التكنولوجية المتعاقبة.
- الرؤية الثانية، تستند إلى أن التخلي عن القطاع الخدماتي التعليمي العمومي، سيفتح تلقائيا آفاق أسواق جديدة ومربحة.(4)
ومن هنا تنامى الاتجاه إلى اعتماد صيغ عديدة لخوصصة قطاع التعليم والتربية والخدمات المرتبطة به من طباعة الكتب والمقررات المدرسية وتوزيعها والخدمات الاجتماعية للطلبة كالإطعام والإيواء والنقل بالإضافة إلى الخدمة التعليمية ذاتها.
     الاتجاه الثاني: الاتجاه نحو خصخصة التعليم:
ومن انعكاسات العولمة النيوليبيرالية على قطاع التعليم عبر العالم تزايد الأخذ بالخصخصة في خدمات التعليم والتكوين ضمن سيرورة تفكيك الدولة المتدخلة، سيرورة مدعومة بعاملين أساسيين هما:
·   انتشار وتعميم استخدام التكنولوجيات الجديدة للمعلومات والاتصالات(NTIC) ضمن ما يسمى بسياسات إقامة البنيات التحتية لمجتمع المعلومات التي تدخل أصلا ضمن الرهانات الاستثمارية لشركات المعلوماتية الكبرى( برامج، وعتاد، وأجهزة اتصال رقمية، وشبكات أنترانت، وإنترنت وأقراص مدمجة/CD-ROM، ومحاضرات عن بعد، والجامعات الافتراضية… الخ).
·   القيود المتعلقة بإدارة الميزانيات الحكومية، وخاصة في البلدان الخاضعة لبرامج إعادة الجدولة لديونها الخارجية وبرامج التعديل الهيكلي في البلدان النامية، أو تلك التي في البلدان المتقدمة تعاني من استمرار النمو لكن بمعدلات ضعيفة.
ومنه تزايد اللجوء إلى صيغ جديدة لتمويل التعليم مثل: الرعاية المالية /le sponsoring  ونظام القروض الطلابية وعقود التوأمة بين الجامعات المحلية والأجنبية والتكوين حسب الطلب والتخفيضات الضريبية والدعم المالي الحكومي المباشر للقطاع الخاص التعليمي والبحثي من أجل التنمية…الخ.
أما "سوق التعليم" فتنقسم إلى خمسة أصناف: سوق التعليم ما قبل المدرسي والابتدائي، سوق التعليم المتوسط، سوق التعليم الثانوي، سوق التعليم العالي، سوق الخدمات المرتبطة بقطاع التعليم كالمطاعم والنقل والمطبوعات والكتب والصحة التعليمية والتجهيز…الخ. وهي الأكثر تعرضا لهجوم موجة الخصخصة.(5)
­­
ومن أشكال خصخصة التعليم:
1.  ظهور وانتشار المدارس والجامعات الخاصة بسرعة كبيرة تحت تمويل شركات خاصة وتحت إشراف بسيط للحكومات.
2.    تحميل الطلاب التكلفة الكاملة للتعليم العام أو جزء منها في صورة رسوم وضرائـب.
3.  تطبيق نمط الخصخصة من داخل النظام الحكومي، باعتماد بعض وزارات التعليم نظاما مزدوجا يحتوى مدارس وكليات نوعية وامتياز تتلقى جميع ميزانياتها من الحكومة، إلا أنها لا تفتح أبوابها إلا لنوعية خاصة من الأفراد مقابل دفع رسوم بسيطة نسبيا.
4.  تطبيق نظام القروض الطلابية، حيث يقوم أحد البنوك الخاصة أو العامة الوطنية أو الأجنبية بإقراض الطالب تكلفة دراسته، ثم يقوم البنك باستردادها بعد تخرج الطالب بفوائد محددة.(6)
ورغم أن نمط تمويل التعليم يظل حكوميا في معظمه في معظم دول العالم، حتى في الدول الصناعية الثلاثين الأعضاء في منظمة التجارة والتنمية الاقتصادية/OCDEخاصة في التعليمين الابتدائي والثانوي، وذلك بنسب تتراوح بين 55إلى 91%، مع ملاحظة تزايد نصيب القطاع الخاص من تمويل ميزانية التعليم في جميع مستوياته، خاصة في التعليم الجامعي، علما بأن قطاع التعليم يعتبر سوقا مغرية فعلا بما تجيشه الأسر والحكومات والشركات من موارد مالية تصل مئات الملايير من الدولارات سنويا، ومنه فإن حجم تجارة التعليم العالي تقدر حسب إحصائيات 1995م بأزيد من 27 مليار دولار، ويتوقع أنها تزيد حاليا عن 250 مليار دولار. حتى أن تجارة خدمات التعليم العالي في الولايات المتحدة مثلا تحتل مرتبة هامة ضمن الخدمات الخمس الكبرى المصدرة إلى الخارج والتي درت على خزينتها حوالي 7 مليارات دولار سنة 1996م.(7)
وهذه بعض التقنيات والصيغ الجديدة التي تتبناها بعض الدول لتمويل التعليم العالي:
-       تكييف مساهمة الطلبة المالية حسب أهمية الاختصاصات المسجل فيها (نموذج الجامعات الأسترالية).
-       حرية تحديد حقوق التمدرس من طرف هيئات التدريس. (نموذج التعليم الجامعي النيوزيلاندي).
-       إخضاع نسب رسوم التمدرس لمستويات الدخل العائلي للطالب (النموذج الجامعي البريطاني).
-       تقديم معونات للطلبة محددة لزمن معين (النموذج الجامعي الهولندي ).
-   تقديم صيغ لتعويض تكاليف التعلم حسب مستوى الدخل  (صيغ تلجأ إليها جامعات أسترالية، هولندية، نيوزيلاندية، سويدية الخ).
-       تخفيضات ضريبية أو دعم غير مباشر لقطاع التعليم العالي الخاص، (نموذج الولايات المتحدة).
-   تقديم حوافز لهيئات التدريس الأجنبية والطلبة الأجانب للالتحاق بالجامعات الخاصة والتنافس على استجلاب أكبر عدد منهم بالتركيز على طلبة البلدان الغنية الخليجية ودول جنوب شرق آسيا الصاعدة اقتصاديا.(8)
ومع تنامي ذلك الاتجاه تتزايد هنا وهناك النقاشات والمساجلات حول الجدوى الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والسياسية والسيادية لمثل هذا التوجه الذي تعمد من خلاله الحكومات إلى د فع مؤسسات التعليم لتبني استراتيجيات المؤسسات الاقتصادية الخاصة، وهو اتجاه يكرس تسليع قطاع التربية والتعليم، كما يثير الجدل حول مسألة تقاسم تكاليفه بين العائلات والشركات والدول وأيضا مسائل تتعلق بنوعية الخريجين وتكريس الطبقية المعرفية في المجتمع.
 
الاتجاه الثالث: اعادة تموقع  الحكومي سعيا لافتكاك مكان في الأسواق المندمجة:
تسعى المنظومة التعليمية الحكومية خاصة العليا لاجتزاء حصة من السوق العالمية للتعليم من خلال تطوير هياكلها ومضامين برامجها وخدماتها لتوفير ميزة تنافسية لمخرجات التعليم لتساهم بها في نموها وتقدمها وتنميتها الوطنية، فهذه وزارة التربية ووزارة الشؤون الخارجية لفرنسا تسعيان من خلال إنشاء وكالة تربية فرنسا/Edufrance، مع إدارات الجامعات الفرنسية والمدارس الكبرى المتخصصة من أجل ترقية عرض التعليم العالي الفرنسي في السوق العالمية للتعليم العالي.
بينما تقوم حكومات دول الاتحاد الأوروبي ودول الشراكة الأورومتوسطية، بتبني نظام الليسانس والماجستير والدكتوراه/LMDالأنجلوسانكسوني لتمكين طلبتها من المنافسة في سوق تعليمية بحثية متعولمة.
ومن خلال تقارير المنظمة العالمية للتجارة يتبين أن عددا من الدول تجري عملية استبدال التشريعات التنظيمية التفصيلية الناظمة لقطاع التعليم العالي بـ " قوانين- إطار"  تحدد فقط الأهداف الكبرى التي ينبغي استهدافها، تاركة للمؤسسات التعليمية كامل الحرية لتختار وسائل بلوغها. فالدولة تمنحها استقلاليتها مقابل تخفيض الاعتمادات المالية التي اعتادت منحها إياها سابقا، بهدف حفزها على الدخول في السباق والتنافس لتحسين نوعية خدماتها ومنه سعيها لاستكشاف فرص تسويق منتجاتها التعليمية في السوق الدولية، مع كل ما ينجر عنه من انعكاسات على اتساع الطبقية والفجوات التعليمية وتنميط الثقافة واللغة داخل الدول وبين أمم الشمال والجنوب.(9)
وفي هذا الاتجاه تسعى دول نامية كثيرة للبحث لمنظوماتها التعليمية خاصة العليا عن شركاء أجانب لمساعدتها على عبور فجوات التخلف المعرفي والتكنولوجي وتدعيمها في تنفيذ برامج التنمية. فتجدها تنخرط في شراكات مع الدول المتقدمة والمنظمات الحكومية الدولية مع تعرضها لضغوط سيادية تقيد حريتها في صياغة سياساتها التعليمية والتنموية الاجتماعية.
إن هذا التوجه الحكومي إلى زيادة قدرة منظوماتها التعليمية التنافسية بقدر ما يزيد من الفرص التعليمية بإحداثه التكامل بين التعليمين الحكومي وغير الحكومي، الخاص الوطني والأجنبي، فإنه يكفل أيضا إضفاء معايير الحكم الراشد على هذا القطاع. كما أن هذا التوجه يراهن على إدخال المنظومات التعليمية المحلية ضمن ديناميكيات التنافس العالمي لكسر الجمود وحلقة البيروقراطية التعليمية وتخلف أساليب ووسائل التعليم والتكوين وتحديث الأطر والبنى الفكرية والمنهجية والتجهيزية المنظمة للنظم التعليمية الموروثة عن عصر المصنعي والزراعي وغير المتماشية مع متطلبات مجتمع المعلومات.
 
الاتحاه الرابع:  وتغير المناخ الثقافي للسياسات التعليمية في ظل العولمة:
تستند أطروحة التنمية من خلال المدخل التكنولوجي إلى المراهنة على أهمية التكنولوجيا في تغيير أساليب ونظم وفلسفة التعليم حيث تراهن على تأثير التغير التكنولوجي على عمليات الإدارة والتمويل والتدريس وصنع القرار والسياسات التعليمية وأساليب التوجيه داخل المنظومة وخارجها في سوق العمل المتحولة هي أيضا، حيث تتجه تكنولوجيات الاتصال والمعلوماتية والإعلام الرقمية المتجددة إلى إدخال المنظومات التعليمية في جميع دول العالم في مرحلة حضارية انتقالية تجريبية تنقلها من عصر إلى عصر معيدة تشكيل جميع الأنساق الاجتماعية تشكيل جديدا.
إن من أبرز آثار ثورة تكنولوجيا المعلومات على ثقافة التعليم، التراجع المتسارع لدور التلميذ التقليدي، وأساليب التعليم التلقينية، أي بداية نهاية التلميذ التابع والمنقاد إلى السلطة الفوقية للأستاذ والكتاب، وبدايات التخلص من حالة  النمطية، والسكونية والطفيلية الحاجرة على ملكات تشغيل الدماغ والتفكير التحليلي النقدي فضلا عن التفكير المبادر الإبداعي.
إن هذه الوضعية تتطلب صحة نفسية وذهنية عالية: وهو ما يستوجب توافر استقلالية عالية وتحمل للمسؤولية وقوة في الشخصية وقدرة على اتخاذ القرار وامتلاكا لمرجعية الخيارات وإطلاقا للطاقة الذهنية في أعمال الاستكشاف والاستقصاء والتحليل والنقد والتدرب على حسن الإبحار في محيطات المعلومات وتحديد وجهة الاستكشاف المرغوبة وحسن إدارة الوقت، والتمتع بمهارات التعلم الذاتي والتعلم التفاعلي.
كما تفرض شبكة الإنترنت على المتعلم المعاصر النظر بصورة تحليلية توليفية شمولية على خريطة الفكر الإنساني، من خلال روابط منطقية ومنهجيات العرض ودقة التعبير وقدرا من النظرة المتعددة الاختصاصات.(10)
 
الاتجاه الخامس: تغير العلاقة بين عالمي العمل والتعليم:
إن المتأمل لعالم الشغل الموروث عن العصر الصناعي يلاحظ طغيان النموذج التايلوري في تنظيم وإدارة عالم الشغل وفق النمط التنظيمي الهرمي الذي يشابهه التدرج الهرمي للمستويات التعليمية والإدارة التعليمية، وهذا المنطق يشدد على الفصل الشديد بين العمل المنتج والعمل غير المنتج، وفق المنظور المادي لنظرية القيمة.
لكن مع تغير بنية الإنتاج الصناعي من بنية متمركزة حول الإنسان الذي يشغل آلة صماء إلى إنسان متفاعل مع آلة تفاعلية بدورها من خلال شبكات المعلوماتية والروبوتية والأتمتة والنظم المعلوماتية الخبيرة ومنه تزايد أهمية التنظيم الشبكي للإدارة والإنتاج والتوزيع والتسويق والتمويل وإدارة الأزمات والمخاطر وتزايد عملية الفصل بين العمالة المتخصصة والعمالة غير المتخصصة  حيث يتزايد تعذر إمكانية تغيير العامل بعامل آخر نظرا للتخصص الفائق الذي تتطلبه مختلف العمليات الإنتاجية التي لم تعد تمكن من الاستبدال السهل لعامل بعامل آخر لآن المهام أصبحت تقتضي مهارات إبداعية ابتكارية غير المهارات التكرارية الروتينية التي تميز عمالة الأمس.
كما يجري التحول في عالم الاقتصاد من اقتصاد مصدر القيمة المضافة فيه هي عضلات الإنسان والموارد الطبيعية والمالية إلى اقتصاد يقوم على مصدر قيمة لا مادي، أي معرفي، معلوماتي، ذهني، خيالي. مما يتطلب مرونة لدى الخريجين للتكيف مع أشكال ونظم ومهارات العمل.
فالعولمة لها علاقة بظهور مجتمع الخدمات مجتمع اقتصاد المعرفة ومجتمع المعلومات، فالمجتمع ما بعد الصناعي أو الفائق التصنيع، أحدث ويحدث قطيعة مع نظم ألفناها ومهن ومسارات ترقية تتميز بالاستقرار والرتابة، فالاختراعات تتسارع والتطوير في التقنيات تترى أجيالها، مع تناقص لكلفتها وإمكانات تسويقها، وتحول للتقنية من تقنية نخبوية إلى تقنية جماهيرية.
كما أن الشركات أصبحت تصرف المزيد من ميزانياتها على التدريب المستمر للعاملين وتكييفهم لتحولات التقنيات وأساليب العمل والإدارة وتوجهات أسواق الإنتاج والعمل والتوزيع، كما تعقد عقود التكوين حسب الطلب مع جامعات متخصصة، بل تمول بميزانياتها ميزانيات جامعات ومدارس تابعة لها.
يتوقع أن يمر الإنسان المنتج مستقبلا فيما بين 4 إلى 6 تحولات مهنية خلال حياته المنتجة فالإنسان المنتج لن يكون كراكب القطار يبدأ من نقطة الانطلاق ويصل إلى خط النهاية عند سن التقاعد مارا بعدة محطات حياتية، بل سيتحول حاله إلى راكب ميترو يركب ثم ينزل بعدة محطات حتى يصل إلى التقاعد: القاعدة هي التبديل الدوري في الوظائف والأعمال والمناطق وليس استقرارها ومن ثم مرونة اكتساب المهارات الجديدة تصبح مفتاح إنسان المستقبل.
إن ما أهم إفرازات العولمة على الصعيد العلمي هو بروز مهن ذات تخصصات ترتبط بالمعرفة بالغة الدقة و يتجلى ذلك في المهن التالية:
الأولى كمهن: مهندس المعلومات، مهندس الذكاء الاصطناعي، مهندس التقنيات الحيوية مهندس تقنيات الليزر أو التقنيات الطبية، مهندس الروبوتات، مهندس البيئة، مدراء خدمات المعلومات.
أما الثانية كتلك المهن التي تجمع بين التقنية والإدارة والاقتصاد والمال والاجتماع وعلوم السلوك والإعلام والسياسة مثل: مهن الاستراتيجيات المالية، استراتيجيات السوق بمتغيراتها المتزايدة العدد، والتفاعلات وتعقيداتها وصولا إلى تكوين الرؤى واتخاذ القرارات في عالم متفاعل الأسواق والمساهمين والمستهلكين.
إنها بيئة عمل تتميز بالتنافسية الشديدة، وحرب المعايير الاجتماعية والاقتصادية والتأهيلية المستعرة والمتزايدة فيما يتعلق بنوعية وكلفة المنتجات والخدمات مع ما تتطلبه من تطوير مهارات تعليمية وخبرات مهنية، ومنه فقدان أعلى المهارات لفرص العمل بسبب تضخم أعداد الخبرات عالميا وانفتاح أسواق العمالة وانهيار الحدود الوطنية جمركيا، وهشاشة إجراءات حماية العمالة الوطنية.
لقد انتهى عهد الرعاية التي توفر الضمانات الوظيفية الدائمة والمداخيل المستقرة والتقديمات الاجتماعية والصحية والتربوية المغرية. فالشركات الكبرى أصبحت تستقطب عمالة متعددة الجنسية بمختلف أشكال التعاقد عبر التوظيف الخارجي وبواسطة عقود بالبريد الإلكتروني لإنجاز الأعمال إلكترونيا وتحويل أموالا الأجور إلكترونيا أيضا بمعزل عن تدخل السلطات الحكومية.
إنها علاقات عمل يتلاشى فيه العنصر الإنساني، ويصبح التعامل عبر الآلة للتعاقد وللترقية ودفع الأجر والتسريح فلا قوانين عمل تقدم ضمانات دائمة للعمالة، مما يثير لدى الإنسان العامل شعورا متزايدا بالاستفراد أمام آلة السوق وقوانينها المتوحشة أحيانا كثيرة.
فالبطالة تصبح واقعا فعليا واحتمالا يواجه الطبقة الشغيلة ويزيد من قلقها على المستقبل ومن صعوبة تخطيط الحياة العادية وعدم القدرة على تلبية مستلزمات الحياة اليومية بسهولة بمداخيل منتظمة، إذ أن خزان من البطالين ضروري لإدارة اقتصاد العولمة لتجويد الإنجاز وارتفاع الخبرات والمهارات وقلة الكلفة والقبول بشروط عمل أقل تطلبا من حيث التقديمات والضمانات.
إضافة إلى زوال بعض مهن الوسطاء كالتوزيع والتسويق والمبيعات التي أصبحت بدورها تتم عبر الإنترنت وسوق الإعلانات والمبيعات المباشرة دون الحاجة لوسطاء (سوق الاقتصاد الإلكتروني و المنافسة للوسطاء).(74)
مع العولمة الجارية للأنشطة والأعمال واجتياح الثورة المعلوماتية يزداد التركيز علىي حاجة ماسة الموارد البشرية ذات المستويات والمهارات الفنية العالية لتلبية احتياجات الوظائف في مجال الخدمات وصناعة المعلومات والإنتاج كثيف المعرفة.
لقد أصبحت الميزة التنافسية النسبية لأية دولة أو أمة تقاس بنسبة المعرفة من الناتج القومي الخام، كمعيار للتقدم ونجاح البرامج التنموية، ومنه أصبحت منظومة التعليم وخاصة مؤسسات التعليم العالي تخضع للمعايير المنتشرة في سوق العمل مثل الربحية والتنافسية والجودة، متخلية عن وظيفتها الأساسية المعهودة وهي التربية والتثقيف ونقل التراث وإعادة إنتاج الأنماط الاجتماعية السائدة.. (11)
ملامح مستقبلية
        تبدو المنظومة التعليمية التربوية  بالوطن العربي في حاجة ماسة الى توظيف مقاربات حديثة تعيد النظر في الأدوات التعليمية والمسابقات التدريسية  و المناهج التطويرية تمهيدا لاقامة مجتمع المعرفة.
 
المراجع:
(1)- الحديث عن " الغاتس GATS" (الاتفاقية العامة لتحرير التجارة والخدمات)، يجرنا إلى الحديث عن بعض المحاذير المحيطة بها نذكر أهمها:
أ. إن " الغاتس GATS" اتفاقية يحيط الغموض بتفسير قواعدها والتزاماتها الرئيسية، ووفقا للاتفاقية بأنها تنطبق على جميع الإجراءات المؤثرة في الخدمات، باستثناء الخدمات المقدمة من خلال ممارسة السلطات الحكومية لاختصاصها، وتفسر الاتفاقية هذه الفقرة بأنها تعني أن الخدمة تقوم على أساس غير تجاري، أو تكون غير خاضعة للمنافسة مع مقدمي الخدمة الآخرين، وهنا ينشأ جدل بشأن خدمات التعليم، فالبعض يرى أن التعليم الحكومي الذي تموله وتقدمه الحكومة، يستثني من أحكام الاتفاقية، بينما يرى البعض الآخر أن مقدمي الخدمة من الحكومة والقطاع العام قد لا يستثنون نظرا لأن عبارة غير تجاري وغير خاضع للمنافسة، تعد عبارات مطاطة، ويزداد التفسير تعقيدا عندما يوجد نظام عال مختلط عام وخاص وتوجد المنافسة بينهما.
ب. إن "الغاتس GATS" تهدف إلى أن تشمل أكبر عدد من قطاعات الخدمات، وعلى الرغم من حق كل دولة في تحديد التزاماتها إلا أن هناك عادة ضغوطا تمارس على الدول النامية، وهو ما يعني خضوع هذه الأخيرة أسواقها لغزو الجامعات الغربية ولإشكال التعليم العالي الأجنبي، وللاستزاد أكثر اقرأ:
- محيا زيتون، المرجع السابق، ص 280-281، (بالتصرف).       
(2)-اقرأ بهذا الصدد: ردود أفعال الأمريكولاتنيون خصوصا الباحث الفنزويلي "Carmen Gancia Guadilla" في دراسته:
-  Carmen Gancia Guadilla, «General Agreement on Trad in Services (GATS) and Higher Education in Latin America, Some :deas to contribute to the discussion», Paper Prepared for the Convention of Universities Memters of Columbus. Paris, july 2002, 21 Pages.
وكذا دراسة الباحثة " جوليا نيلسن Julia Nielson" المقدمة ضمن فعاليات ملتقى التجارة في الخدمات التعليمية باستراليا حول:
- Julia Nielson, Bridging The Divide : Building Capacity For Post- Secondary Education Through Cross-border provision. Unesco/OECD Australia Forum on Trade in Educational Services (Situating the GATS), Sydny, 11-12 November 2004, 16 Pages.
- Jane Knight, Trade In Higher Education Sevices, The Implication of GATS on higher edication. London: the observatory on bonderless higher edication, UK, 2002, pp 05-08.
(3)- مع ظاهرة تسليع الخدمات التعليمية، برزت على سطح النظام التعليمي الغربي والأمريكي جامعات الشركات، وبلغ تعدادها أكثر من 400 جامعة على مستوى العالم منذ حوالي عشر سنوات، ووصل حاليا إلى ما يتجاوز (2000 جامعة) مثل جامعة "موتورولا" التي تصل ميزانيتها إلى 120 مليون دولار، وتدير 99 موقعا للتدريب في 21 دولة، وجامعة "فونكس Phoenix University " وجامعة " بيرسن Pearson University" البريطانية، وتقدم هذه الجامعات برامج تدريبية باهضة الثمن، وخدمات تعليمية واستشارية، يمكن أن توصف هذه الظاهرة المتزايدة باضطراد بالجامعات المقاولاتية "Université entrepreneuriale" – التسمية من اقتراح الباحث بناءا على الترجمة من الفرنسية – إذ أن الجامعات أصبحت تسعى بشتى الطرق لتعظيم أرباحها والدخول في شراكة اقتصادية في مجالات متعددة، اقرأ بهذا الصدد:
- Kasper Barr Kholt, La Processus du Bologne et la Toéorie de  L’intégration : convergence et autonomie. Unesco-CEPES, Centre Européen Pour l’enseignement Supérieur, Volume XXX, Numéro 1 Mars 2005, p 30-31.
- Sorine Zaharia et Ernest gibert, « L’université entrepreneuriale dans la Société de Savoir », L’enseignent Supérieur en Eurpne, Op Cit, p 34-44.
(4)- Chems Eddine Chitour, Mondialisation L’espérance ou Le Chaos. Ed, ANEP, Alger, 2002, p149-152.
5)-  Chems Eddine Chitour, Op Cit, p152 -154.
(6)- لمياء محمد أحمد السيد، المرجع السابق، ص 90.   
(7)-Chems Eddine Chitour,Op Cit,p158.   
(8)- Op Cit, p 161.
(9)- بهذا الصدد توجد في الأردن ومصر ولبنان وبلدان الخليج علاقات ترابط وتعاون متزايدة بين جامعات ومعاهد عالية عربية ففي قطر أقيمت حديثا المدينة التعليمية، وهي منطقة حرة تضم حاليا ثلاث كليات جميعها موزع للجامعات الأمريكية، هي كلية طب جامعة كورنيل، وكلية هندسة جامعة تكساس، وكلية الفنون التشكيلية جامعة فرجينيا كومولث، وهذه الجامعات تعادل الشهادات تماما كالامريكية، كما تم افتتاح جامعة "كارنيجي ميلون Carnegie Mellon University" لدراسة علوم الحاسوب وإدارة الأعمال وذلك سنة 2005/2006م، وفي الإمارات توجد جامعات عالمية مثل جامعة "اللوتاه" في دبي، وهي تقوم بالتعاون مع عدد من المنظمات الدولية برامج جامعية في العديد من الاختصاصات العلمية، وتتواجد في مصر الجامعة الفرنسية، التي أنشئت في 2002م والجامعة الألمانية في 2002/2003م، إنه منطق السوق العالمي مع الانفتاح العالمي غير المدروس، تزايدت المؤسسات التعليمية الخاصة والعابرة للحدود، فعلى سبيل المثال وإلى غاية نهاية 2005م، يتواجد بأندونسيا أكثر من 1200 جامعة خاصة و 57 حكومية، تشكوسلوفاكيا 36 مؤسسة تعليمية جامعة خاصة و25 حكومية، كازاخستان، وبعد عامين فقط من إصدار مرسوم الجامعات الخاصة، وصل عدد جامعاتها الخاصة 65 مؤسسة، وبالمقابل لا يتواجد في بريطانيا إلا جامعة خاصة وحيدة –لحد كتابة هذه السطور- هي جامعة "Buckingham" وهو ما يجعل الدول العربية والنامية في حاجة إلى مراجعة حساباتها حتى لا تكرس مبدأ الكم على حساب منطق الجودة والنوعية.       
(10)- مصطفى حجازي، الصحة النفسية، منظور دينامي وتكاملي للنمو في البيت والمدرسة. ط1، الدار البيضاء- المغرب وبيروت- لبنان: المركز الثقافي العربي، 2000م، ص 304-307.
(11)- مصطفى حجازي، المرجع السابق، ص307-311.
(12)- لمياء محمد أحمد السيد، المرجع السابق، ص 94-


المصدر : http://www.arabthought.org/node/655 

السبت، 5 مارس 2011

المجتمع المدني الجزائري الوجه الاخر للمارسة الحزبية


 بقلم: د/ بوحنية قوي*
bouhania 2000 @yahoo.com
يقدم الباحثون في دراسات التنمية والعلوم السياسية مقارباتهم الحديثة  بشكل يربط بين بناء المؤسسات ودرجة الاستقرار السياسي و مسألة الإسهام المجتمعي والشراكة الاجتماعية
( social Partnership) في بناء النخب وتكوين الإطارات وإرساء ثقافة سياسية وديمقراطية (1)
هذه الورقة تحاول مقاربة حالة مؤسسات المجتمع المدني "الجمعيات تحديدا "  في الجزائر وطبيعة العلاقة المتوجسة والحذرة بين الجمعيات والأحزاب والوزارة الوصية
أولاا- المجتمع المدني الجزائري : الوجه البائس للمارسة الحزبية في الجزائر .
          تشير الدراسات الانتخابية و الحزبية إلى الأدوار الجوهرية التي يمارسها المجتمع المدني كثقل مضاد يعكس إرهاص الشعب ، ويتلمس خطاب السلطة نقدا و تشريحا .

1-     للمجتمع المدني عناصر أساسية يمكن إيجازها فيما يلي :(2)

أ‌)       – إن المجتمع المدني رابطة طوعية يدخلها الأفراد باختيارهم .

ب‌)   – يتكون المجتمع المدني من مجموعة من التنظيمات و الروابط في عدة مجالات.

ج‌)    – إنه مجتمع الاختلاف و التنوع و الالتزام بإدارة الاختلاف داخل قطاعاته  بالوسائل السلمية المتحضرة.

 د)  – إن للمجتمع المدني امتدادات خارج حدوده ، تتمثل في توسيع مؤسساته و انتقال فعالياتها إلى مجتمعات أخرى و تتبلور هذه العناصر بصورة جلية بالتجربة المقياس .     

لقد أصبح هذا المفهوم من أكثر الموضوعات حيوية و إثارة للجدل و النقاش ، حيث  أجريت بعض الدراسات حول مقارنة المجتمع المـدني في دول مختلفـة ومن بينهـا دراسة أجريت على 31 دولة ديمقراطية معتمدة على معايير معينة للمقارنة بين المجتمع المدني فيها وهي:(2)

·        بنية المؤسسات المعاصرة و مدي انفتاحها لتأثير المواطنين .

·        مفاهيم الثقافة و الحضارة التي تحدد خصائص المجتمع و مواطنيه .

·        الظروف التاريخية و تأثيراتها على مؤسسات المجتمع المدني .

·        الظروف الاقتصادية و دورها في تشكيل مؤسسات المجتمع المدني .

إن غياب أو ضعف أو محدودية مؤسسات المجتمع المدني يضعف إمكانات تبلور نمط حديث من التنظيم السياسي التعددي ، وبالتالي نظام ديمقراطي يشجع على المشاركة الفاعلة ، و قد  ثبت وجود علاقة وثيقة بين مستوى تطور النظام الحزبي و إمكانية قيام حكومات على أساس انتخابات حرة تنافسية ، لأن المشكلة ليست في إجراء الانتخابات و إنما في تكوين التنظيمات القادرة على الإشراف على عملية الانتخابات (3) .
يظهر التتبع التاريخي لواقع علاقات النظام السياسي بالحركات الجمعوية أن المجموعة المحورية الحاكمة الجديدة للنظام هدفت في تعاملها مع هذا الملف إلى تحقيق هدفين أساسيين (4):
1ـ امتصاص تذمر المواطنين من ضنك الحياة .
2ـ تقوية قبضتها حتى تتمكن من خلق تجانس في هرم السلطة كما كان سابقا عبر وضع إستراتيجية تمكنها من التخلص من هيمنة الحزب الواحد و الجماعات الضاغطة التي تستخدمه.
عرفت الساحة السياسية الجزائرية مفهوم المجتمع المدني في النصف الثاني من القرن العشرين لتأخذ تطبيقاته منحنيات وخصائص اللحظة التاريخية التي ظهر فيها بشكل تشعباتها السوسيولوجية والفكرية ، ولم يكن غريبا أن تتلقف بعض القوى الاجتماعية والسياسية أكثر من غيرها هذا المفهوم وتتبنى أطره التنظيمية الجديدة وخطابه الفكري ، خصوصا بعد دستور 23 فيفري 1989 ( أول دستور جزائري بعد التعددية السياسية ) ويشير الفصل الرابع المتعلق بالحريات والحقوق في مادته 33على الحق في الدفاع الفردي أوعن طريق الجمعية عن الحقوق الأساسية للإنسان ، وعلى أن الحريات الفردية والجماعية مضمونة وتتضح هذه الحقوق أكثر في نص المادة 41التي تنص على أن حرية التعبير وإنشاء الجمعيات والاجتماع مضمونة للمواطن كما يدرج الدستور مادة خاصة للتميز بين الجمعية والحزب وتحديدا المادة 42 المتصلة بالحق في إنشاء أحزاب حيث تنص على أن حق إنشاء الأحزاب السياسية معترف به ومضمون (5)
غير أن نشاط الجمعيات في الجزائر تأثر بالوضع الأمني الذي عاشته الجزائر خلال سنوات الجمر ، مما جعل أداءها لصيقا بالأداء الحزبي ، بحيث ظهر نشاطها كرجع صدى للأداء الحزبي الجزائري الهزيل إذ رغم العدد الضخم الذي يتناسل سنويا لتعداد الجمعيات إلا أن أداءها ظل مشوبا بعلاقة حذرة ، أما علاقة هذه الجمعيات والأحزاب فهي علاقة "تداخل وتجاذب للمصالح والأدوار  "
     وعن طبيعة العلاقات المصلحية "من ينتج من؟ " في توصيف العلاقة بين النخبة السياسية و حركات المجنمع المدني ، فإن وزارة الداخلية في الجزائر تحضر لحل 06 آلاف جمعية (6) .
2-    إذ طالب مديرو المراكز و المعاهد الجامعية عبر كامل التراب الوطني من مجموع التنظيمات النقابية و الطلابية ، و كذا مختلف الجمعيات ذات الطابع الثقافي و الرياضي ، التي تنشط على مستوى المؤسسات الجامعية المذكورة ، تقديم ملفات كاملة عن حصيلة نشاطاتها في أجال زمنية محددة ، وإلا تقع تحت طائلة الحل في حالة تخلفها عن ذلك .

     استندت مراسلات مديري الجامعات إلى تعليمات وزارة الداخلية التي باشرت  عملية واسعة لتطهير النسيج الجمعوي الوطني من تلك الجمعيات التي اتهمها نور الدين زرهوني ، أكثر من مرة ، بأنها "لا تفعل شيئا و لا تسعى  سوى للانتفاع و تحقيق مكاسب شخصية على حساب التمويل العمومي لنشاطها" وتواجه الجمعيات التي تتخلف عن تقديم الوثائق المطلوبة  منها إلى عقوبات إدارية تصل إلى الحل النهائي ، بعد إحالة ملفها على العدالة ، و يصل عدد الجمعيات المعتمدة لدى وزارة الداخلية و الجماعات المحلية ، 81 ألف جمعية بين وطنية و محلية
     و جاء في إحدى هذه التعليمات التي أرسلتها إدارة جامعة الجزائر تحت رقم 13/ 08 ، موجهة إلى ممثلي التنظيمات النقابية والطلابية و الجمعيات الثقافية و الرياضية النشطة في مختلف المعاهد و الكليات و الأقسام ، أنهم مدعوون قبل نهاية شهر مارس من العام 2009 لتقديم ملف يضم أربعة وثائق ذكرتها التعليمة ، وهي قرار الاعتماد ، قائمة المنخرطين ، أسماء الفروع و المجالس والمصادق عليه من طرف الإدارة ، و في نفس الاتجاه تحرك مسؤولو المؤسسات الثقافية و الشبابية و الاجتماعية ، التي توجد بها مقرات لجمعيات معتمدة بدعوتها لتقديم ملفات مماثلة ، و أكد ذلك أن الأمر يتعلق بما يشبه  عملية تطهير كبرى غير مسبوقة ، و أوكلت وزارة الداخلية إلى مديري التنظيم و الشؤون العامة عبر مختلف الولايات مهمة متابعة هذا الملف ، بحيث قام هؤلاء فعلا ، حتى الآن بإحالة ملفات نحو 6 آلاف جمعية على العدالة من شتى المجالات ، و معها طلبات رسمية بالحل لمخالفتها الشروط المنصوص عليها قانونا ، و على رأسها كما ورد في أغلب العرائض القانونية المرفوعة إلى القضاء ، عدم تجديد مكاتبها و تغيير مقراتها دون إشعار بذلك ، إضافة إلى عدم تقديم حساباتها المالية مؤشر عليها من محافظ حسابات و لا الحصيلة السنوية لنشاطاتها  .

ثانيا: الأحزاب والجمعيات في الجزائر أية علاقة ؟؟

تتسم العلاقات بين الأحزاب والجمعيات بعلاقة الدمج والاستيعاب والتبني ويظهر ذلك في ما يلي :
- أدمجت هذه الجمعيات التي جاوزت 80 ألف جمعية في أحيان كثيرة في السياق العام للخطاب السياسي غير المؤسس الذي يتبنى أطروحات السلطة ولا يقدم خطابا مبنيا على البرامج ، وهو ما أدى إلى استيعاب كثير منها من طرف الأحزاب وجعلها أبواقا للتسويق السياسي والتعبئة السياسية وفي مناسبات عديدة .
3- إستراتيجية التبني وهو تلك السياسة القائمة على تبني الجمعيات كلية من طرف الأحزاب الفاعلة سياسيا .
- إن هذه الجمعيات والمنظمات الجماهيرية والتي كانت تشكل المدارس الأولى لتكوين الإطارات وتخريج الكوادر لم تعد تلعب ذات الدور في المرحلة الأخيرة كونها أصبحت مجرد أدوات تستخدم في الاستحقاقات السياسية .
- إن التساؤل القلق والمحرج للسلطة السياسية في الجزائر ، هل نحن أمام مجتمع مدني ؟
 أم مجتمع سلطة ؟
 لهذا الصدد يرى أحد المسؤولين النقابين في الجزائر : أن السلطة خلقت مجتمعا مدنيا بمؤسسات وهيئات وأحزاب ونقابات موازية للمجتمع المدني الحقيقي ، وهذا المجتمع أضحى غير قادر على تنفيذ ما تسعى إليه السلطة ، وهو ما أبرز نقابات موازية مثل – هيئة ما بين النقابات – التي فتح رئيسها النار على رئيس النقابة الوطنية للعمال الجزائريين ، واعتبر أن هذه الهيئة الجديدة تسعى لإصدار ميثاق أخلاقي تمضي عليه جميع النقابات المنضوية تحت لوائها حتى لا تخرج هذه النقابات مستقبلا عما يتم تبنيه من سياسات أو احتجاجات مهددا بالعمل على رحيل السلطة    (لكونها حسب رأيه تقوم على القمع ) (7)
تشير إحدى الدراسات المغاربية المقارنة نوعية الصعوبات ونقاط الضعف التي تتعرض لها الجمعيات المغاربية بما فيها الجزائرية وفق المحاور التالية (8):
- العلاقات بين الجهات الرسمية والجمعيات ليست شفافة بالقدر الكافي  .
- الجمعيات غير معترف بها فعليا كمحور وشريك من قبل المؤسسات والجهات الرسمية .
- استفادة الجمعيات من المساعدات المالية الرسمية ليست شفافة بالقدر الكافي .
- لا توجد قنوات وإجراءات معروفة بهدف الحصول على مقرات دائمة للجمعيات .
- الجمعيات لا تملك حرية في استقبال الهبات والمساعدات من الخارج .
- لازالت الجمعيات تخضع لكثير من إجراءات الجمركة والعديد من الضرائب عند حصولها على مساعدات أو هبات من الخارج.
إن حراك الجمعيات هو رجع صدى للحراك الحزبي  ، وبما أن الحراك الحزبي التحالفي الحالي منمط ومندمج ويعبر عن صيغة إقصائية لوجود أية طبقة سياسية فإن الحراك الجمعياتي لن يحقق مساهمة حقيقية في بناء مشروع المجتمع إذا بقي رهان الجمعيات على الأحزاب والعكس بالعكس " (9)
ثمة ملمح آخر من ملامح الاختلال والفساد في اداء الأحزاب السياسية والجمعيات وهو ذلك التداخل الذي يمكن التعبير بثنائية – الجمعيات السياسية الحزبية – و-الأحزاب الجمعوية – وهو تلك العلاقة الزبائنية القائمة على المصلحة بين – من يدفع ماليا- و- ومن ينتفع سياسيا – ومن – يحترف إعلاميا ـ
تعد – الزبانية السياسية – احد الظواهر السلبية التي تبرز كمعطى انثروبولوجي و سياسي عالمي يتجلى في المواصفات التالية: (10)
- تبادل الخبرات .
- العلاقات الأسرية .
- تبادل رمزي بدافع إيديولوجي .
- الحياة السياسية المحلية .
4- إن الزبائنية (clientship- clientelism) شكل من أشكال الفساد السياسي والاجتماعي الذي ينخر جسم  الديمقراطيات الصاعدة ، وهي تبرز كنمط علائقي يظهر في مؤسسات المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية حيث تم " استلزام المجتمع من طرف الدولة وهو الأخطر في مسار الشرعية " (11)  .
ما يلاحظ بهذا الصدد أن كثيرا من أرباب النقابات ،وجماعات رؤوس الأموال ورؤساء الجمعيات تحولوا إلى جسور موسمية انتقالية لتحقيق الثراء والثروة والسلطة  (12) ، وهو ما أدى إلى تنامي ظاهرة الفساد ، إن تفشي هذه الظاهرة من خلال الزبونات المتعددة ووغيرها من العوامل ليجمع بينها سوى عقد تقليدي يقوم على المصالح المتبادلة وضعف الوازع الأخلاقي (13).  
في الواجهة المقابلة يمكن الحديث عن وجود نقاط مضيئة في التجربة الجمعوية الجزائرية تظهر في ما يلي : (14)
- الدور البارز الذي يحتله الشباب والمرأة داخل الجمعيات.
- الدور الخاص الذي تحتله الفئات المؤهلة والنخب العلمية في قيادات جمعيات المجتمع المدني
- استمرارية قيم العمل التطوعي بين أعضاء الجمعيات والمنتسبين إليها ولكن تبدو عملية تطوير العلاقة بين الجمعيات والبرلمان – المشكلة على قاعدة التنافس الحزبي – مسألة أكثر من مهمة ، وهي يمكن تبني بعض المقترحات المهمة كما يلي :

يعد البرلمان بمثابة النواة السياسية البنائية للحراك الحزبي للجمعيات ، غير أنه وفي غياب النص القانوني الذي يتيح لمؤسسات المجتمع المدني وعلى رأسها الجمعيات والنقابات والرابطات من المشاركة البرلمانية في عملها التشريعي لم يمنع من بروز ممارسات حاولت أن تلتف حول القانون وتقوم بإيجاد تفسيرات له سمحت في بعض الحالات من مشاركة الجمعيات في عمل اللجان البرلمانية المتخصصة التي يغلب عليها الطابع الاجتماعي ، إن هذه الممارسة سمحت بالاستماع إلى رؤساء الجمعيات الوطنية في الغالب باعتبارهم – خبراء - ليظهر على الركح السياسي نوع – من الاختزال السياسي – يتم بموجبه حصر الجمعية في رئيسها وتحويل هذا الأخير إلى خبير لتتمكن اللجنة المتخصصة من الاستماع له ، إن هذا الموقع السياسي – غير الرسمي – جعل الجمعيات تتنافس من خلال رؤسائها مع خبراء مهنيين – أساتذة جامعة – باحثين – متخصصين – يمكن أن يكون بعضهم من مسئولي المؤسسات الإدارية والاقتصادية الرسمية ذات العلاقة بالملف القانوني المطروح للنقاش ، وهو ما يحول منظمة المجتمع المدني – في الجزائر – إلى أداة للتنافس – ألريعي – مع خبرة المؤسسات الرسمية (15).   
أمام المجتمع المدني الجزائري مجال خصب لتحويل البرلمان إلى ساحة دينامكية لبناء البرامج وتعزيز النظام ألتشاركي الحزبي
 5- يمكن لهذه الجمعيات أن تتحول إلى مكتب داخلي للجماعات المحلية لإثارة النقاش في القضايا ذات الأهمية المستقبلية والإستراتيجية للأمة مثل :
- الأسس المذهبية والسياسية لمجلس الأمة .
- الجوانب التنظيمية لعمل البرلمان .
- انخراط الجزائر في المنظمات الدولية الإقليمية .
- تعزيز الحكم الرشيد ومكافحة الفساد .
- تأطير وتكوين الناخبين والمنتخبين .
- إدارة شؤون الدولة والمجتمع  - دور الوساطة . 
*أستاذ محاضر في العلوم السياسية عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية
جامعة قاصدي مرباح – ورقلـة – الجزائر
الهوامش :

[1]- من الدراسات الهامة في هذا المجال والمعنية بالفضاء المغاربي
- عياض بن عاشور المجتمع المدني ، دولة القانون والديمقراطية في المغرب العربي في : عبد الله حمودي ( محدد) ، وعي المجتمع بذاته : عن المجتمع المدني في المغرب العربي ، دار توبقال ، 1998 .
Belin,E,ciril Society emergent ,State and Social in Tunisia, PHD Princeton ,1991.
Jhon,p,Entelis and Phillip ,c, Naylor , eds ,state and society in Algeria,westurew press, boulder ,Colorado ,USA,1992.
2) ـ نصر محمد عارف الإتجاهات المعاصرة في السياسة المقارنة : التحول من الدولة إلى المجتمع ، ومن الثقافة إلى السوق ، المركز العلمي للدراسات السياسية ، الأردن ، 2006، ص 40 .
3) ـ سيد أبو ضيف أحمد ، المشاركة السياسية في الفقه السياسي المعاصر ، مجلة عالم الفكر الكويت ، العدد 3 ، المجلد 30 ، يناير ، مارس 2002 .
4) ـ  جلالي عبد الرزاق ، بلعادي ابراهيم ، الحركة الجمعوية في الجزائر بين هيمنة الدولة و الاستقطاب الحزبي ، مجلة المستقبل العربي ، العدد 314 ، أفريل 2005 ، ص 137 .
5 )- يمكن للإسترادة أكثر حول موضوع الجمعيات الإطلاع على دراسة عبد الناصر جابي ، العلاقات بين البرلمان والمجتمع المدني في الجزائر ، الواقع والآفاق ، نوفمبر 2006 .
6) ـ طالع جريدة الخبر ا، عدد 5493 ، الثلاثاء 02 ديسمبر 2008 ، ص 02 .
7) ـ للإطلاع أكثر ، يطالع حوار رشيد مغلاوي ، لجريدة الخبر الأسبوعي ، العدد 507 ، (من 15 إلى 21 نوفمبر 2008) ص 04.
8) ـ عبد الناصر جابي ، العلاقات بين البرلمان و المجتمع المدني في الجزائر واقع و آفاق ، مجلة الفكر البرلماني ، العدد 15 ، فيفري 2007 ، مجلس الأمة ـ الجزائر ، ص 152 .
9) ـ يعيب الكثير من متتبعي الحراك المدني للجمعيات التي تعتبر نفسها جماهرية ذلك الانخراط الكبير في الحملة الانتخابية لصالح المترشح للرئاسيات (عبد العزيز بو تفليقة ) و ذلك في آخر انتخابات رئاسية 2009 ، و المنظمات الجماهرية المعنية  هنا هي : الاتحاد العام للعمال الجزائريين ،  المنظمة الوطنية للمجاهدين ، الاتحاد الوطني للفلاحين الجزائريين ، المنظمة الوطنية لأبناء الشهداء ، الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات ، المنظمة الوطنية لأبناء المجاهدين ، الكشافة الإسلامية ، المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب .
10) ـ فضيل دليو ، الزبائنية السياسية و الاجتماعية  في عصر الديمقراطية ، المجلة العربية للعلوم السياسية ، العدد 17 شتاء 2008، ص 171 ، 174 .
11) ـ حافظ عبد الرحيم ، الزبونية السياسية في المجتمع المغربي ، قراءة اجتماعية سياسية في تجربة البناء الوطني بتونس ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية  2006 ، ص 425 ، 
(12 ـ لاحظ بهذا الصدد حجم برقيات التهنئة من رؤساء جمعيات و شخصيات ، غداة إعلان النتائج  في الانتخابات الرئاسية في 2009 ، و في الصفحة الأولى ، و هي إحدى سوابق الصحف الجزائرية في فتح الإشهار على الصفحة الأولى ، و ذلك قبل ترسيم النتائج ، و الملاحظ أن الكثير من هذه الشخصيات التي قد دبجت رسائل الشكر و التهنئة غابت تماما عن الحدث على الأقل إجتماعيا بعد فترة جد وجيزة !! .
13) ـ فضيل دليو ، المرجع السابق ، ص 184  .
14) ـ عبد الناصر جابي ، المرجع السابق ، ص 152
15) ـ عبد الناصر جابي ، المرجع السابق ، ص 157 .

مصدر الدراسة : مجلة المغرب الموحد